الرئيسية » كتاب الرأي » مارية الشرقاوي: زواج الكونطرا.. طفلات قيد الرهن

مارية الشرقاوي: زواج الكونطرا.. طفلات قيد الرهن

زواج القاصرات نزيف لم ينضب، حيث صرح وزير العدل السابق بأنه سنة 2018 بلغ 25514 عقدا أي بنسبة 9,13% من مجموع العقود المسجلة خلال نفس السنة. مع أن مدونة الأسرة حددت سن الزواج في 18 سنة مع استثناء ضيق يمنح القاضي المكلف بتزويج القاصرات إمكانية منح الإذن بتزويج القاصر وفق شروط وضمانات محددة. لكن حال الواقع يحكي عن عدد أكبر مما صرح به وزير العدل، باعتبار أن بعض الأسر تلجا لطرق أخرى وخارج  فضاء الأسرة لتزويج بناتهم حيث يوجد ببعض مناطق المغرب ما يسمى زواج الكونطرا وهو موضوع مقالي، وللإحاطة بهذا الموضوع أطرح أسئلة من قبيل: ما مفهوم زواج الكونطرا؟ ما هي الأسباب التي تجعل الأسر ترمي ببناتها للمجهول؟ كيف السبيل للحد مما يسمى زواج الكونطرا؟

مفهوم زواج الكونطرا:

زواج الكونطرا هو تزويج طفلة قاصر بمقتضى عقد دين يبرم بين رجل غالبا ما يكون ميسورا أو يعيش خارج المغرب وبين ولي القاصر، يحرر ويشهد عليه لدى الجماعات المحلية، وبذلك فمضمونه اعتراف بدين مما يجعله عقدا مدنيا حيث تختل فيه شروط الزواج الواردة بمدونة الأسرة التي عرفت الزواج في المادة 4 على أنه ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة، برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة، كما نصت المادة 19 على أن أهلية الزواج تكتمل بإتمام الفتى و الفتاة المتمتعين بقواهما العقلية 18 سنة شمسية كاملة .

ومن خلال هدا المفهوم لما يسمى زواج الكونطرا نجد أن معناه الحقيقي المخفي والصادم هو عقد رهن وليس عقد زواج، يرهن بموجبه أب أو أم الفتاة فلذة كبدهما لرجل مقابل مبلغ مالي، بحيث يختلف تماما عما نصت عليه مدونة الأسرة، مدونة الأسرة التي لم تعرف النور إلا بعد مخاض عسير، ناضلت من أجلها جمعيات ومنظمات نسائية حتى يتسنى للمرأة أن تكون لها قيمتها وسط مجتمع ذكوري طالما تعامل معها كجسد لا كانسان مهمته الوحيدة منح المتعة الجنسية وإنجاب الأطفال وخدمة البيت، لا تملك حق القرار بل القرار يمارس عليها. إلا أنه وللأسف الشديد مازال هناك أشخاص يتبنون أفكارا ترفض الخنوع للقانون فيتحايلون على مقتضياته التي تمنع زواج القاصرات ولا تمنح الإذن إلا في حالات معينة حسب السلطة التقديرية للقاضي المكلف بتزويج القاصرات، مستغلين أموالهم و فقر وجهل أهل الطفلة القاصر.

أسباب زواج الكونطرا:

زواج الكونطرا ظاهرة، كون الظاهرة كمفهوم عام تشير إلى حدث نشاز حدث غير طبيعي، وما يسمى بزواج الكونطرا في المغرب يعتبر حدثا غير عاديا، على أساس أن المغرب انخرط مند أكثر من عقدين في مسلسل من الإصلاحات بهدف إرساء مجتمع ديمقراطي حداثي تصان فيه كرامة الإنسان. ومدونة الأسرة تبقى نموذجا للإصلاحات الجوهرية التي قام بها المغرب، في حين زواج الكونطرا تختل فيه شروط الزواج الواردة  بمدونة الأسرة وبالتالي هو ظاهرة بالمغرب، ومادام لكل ظاهرة أسباب فلزواج الكونطرا أسباب تتضح من خلال المناطق التي ينتشر فيها والوضعية الاجتماعية للأسر التي تتجه لهذا النوع من الزواج، فحسب تقرير جاء به المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذا النوع من الزواج ينتشر في نواحي قلعة السراغنة ونواحي مراكش بنسبة أكبر من بعض المناطق الأخرى التي يمارس فيها، وبهذا ا يتضح أن الأسباب يمكن إجمالها في الفقر والأمية والهذر المدرسي وكذلك الجهل بالقانون، معضلات لازالت متفشية في هذه المناطق وفي مناطق أخرى سيما بالبوادي والمناطق النائية، الشيء الذي يؤكده تقرير أصدرته المندوبية السامية للتخطيط بمناسبة اليوم الوطني للمرأة القروية تبلغ نسبة الأمية حوالي 60 بالمائة لدى النساء القرويات، بمعنى أكثر من النصف لم يلجن المدارس ناهيك عمن ولجن وبعدها لم يكملن دراستهن “الهذر المدرسي”، هاته الفئة من الفتيات غالبا ما يكون مصيرهن الزواج إما بالفاتحة أو بكونطرا في حالة رفض القاضي المكلف بتزويج القاصر منحهن الإذن بالزواج حسب سلطته التقديرية.

وكذلك نجد المؤشر الصادر عن مؤسسة “سوشيال بروجرس إمبيراتيف” الأمريكية أن المغرب سجل تراجعا في مجال التعليم والوصول إلى المعرفة الأساسية حيث احتل المرتبة الـ 101 عالمياً. وهذا المؤشر يقيس معدل القراءة والكتابة لدى البالغين، ومعدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية والمساواة بين الجنسين في الالتحاق بالتعليم الثانوي والحق في الحصول على تعليم جيد.

تداعيات زواج الكونطرا :

زواج الكونطرا هو استغلال جنسي تؤدي ثمنه القاصر بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة، فالرجل الذي يبرم عقد دين لا عقد زواج  للتمكن من فتاة قاصر مازالت في حاجة لحنان والديها، مازالت في حاجة إلى التكوين، لم يكتمل نضجها العقلي بعد فأكيد هو طالب جسد، طالب متعة جنسية لا اقل ولا أكثر، وبالتالي فمصير هذا النوع من الزواج الفشل، فبعد أن يستمتع بالفتاة غالبا ما يرفض توثيق الزواج عند بلوغها سن الأهلية أي 18 سنة، فيتخلى عنها وهي في ربيع عمرها بطفل أو طفلين، لتجد نفسها في نهاية المطاف مسئولة عن أطفال في حاجة للأكل والتعليم والتطبيب وهي غير مسلحة لا بمستوى تعليمي ولا تكويني يؤهلها الولوج إلى سوق  الشغل، في مجتمع غاب فيه التكافل العائلي والاجتماعي، وغابت فيه المسؤولية الجدية للدولة اتجاه مواطنيها الضعفاء.. إذن في هاته الحالة مرحبا بطفولة محرومة ومشردة، مرحبا بنساء قد تبيع جسدها وعفتها لسد الرمق وبالتالي مرحبا بكارثة على المجتمع تضاف إلى باقي الكوارث الاجتماعية .

نظرا لما يشكله زواج القاصرات بصفة عامة وزواج الكونطرا موضوع المقال بصفة خاصة من أثار كارثية سواء على مستقبل القاصر أو على المجتمع، أصبح لزاما تشريع نص قانوني لمتابعة طرفي هذا النوع من العقود، باعتبارها عقودا صورية مضمونها يسيء للقاصر ويرمي بمصيرها للمجهول وذلك من أجل الردع ومنح العبرة للآخرين. لكن المقاربة القانونية وحدها غير كافية  للحد من هاته الظاهرة التي تسيء للقاصر وللمجتمع معا، فاذا كانت هناك رغبة حقيقية في القضاء على تزويج القاصرات بصفة عامة وزواج الكونطرا بصفة خاصة يجب القضاء على أسبابها، فتشريع ترسانة قانونية وحدها لن تجدي نفعا إذا لم تصاحبها إجراءات موازية فعلية على أرض الواقع أذكر منها :

– تحقيق عدالة اجتماعية ودلك بالرفع من مستوى عيش الأسر وتقديم المساعدات لهم

– تحقيق عدالة مجالية  بتقريب الخدمات الأساسية لساكنة البوادي والقرى والمناطق النائية

– محاربة الأمية والهذر المدرسي  بتشجيع الأسر على تعليم بناتهم وإنشاء إعداديات وثانويات ومراكز التكوين قريبة من الدواوير، فمن أسباب الهذر المدرسي بعد هاته المؤسسات عن الدوار الذي تقطن به الفتاة وخوف الأسر من المس في شرفهم .

– على الإعلام والجمعيات القيام بحملات توعية وتحسيس بمخاطر زواج الكونطرا بصفة خاصة، وزواج القاصرات بصفة عامة.

– مارية الشرقاوي، كاتبة وباحثة في قضايا النوع الاجتماعي

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *