الرئيسية » أنشطة المنتدى » عمود “التفكير بصوت مرتفع” .. للتجربة كلماتها، وللسياسة رجالاتها

عمود “التفكير بصوت مرتفع” .. للتجربة كلماتها، وللسياسة رجالاتها

لقد كان لجائحة كورونا الفضل الكبير، في كشف الوافر من الحقائق، وإسقاط الكثير من الأقنعة، وتصحيح العديد من المفاهيم؛

ففي الوقت التي تتعرض فيه الأحزاب السياسية، لوابل من الانتقادات، ولسيل من الاستهجان، بسبب الميوعة، والتدني، والتراجع غير المسبوق للعمل السياسي عامة في بلادنا.. تظل خبرة، وحنكة، وحكمة بعض رجالات الدولة، بمثابة طوق النجاة لمشهد سياسي، اعتلاه الصدأ، وعلاه غبار الانتهازية، وأثقله وحل الوصولية..

وشخصيا ـ وعلى غرار العديد من المهتمين بالتدبير اليومي للشأن المحلي، ومتتبعي صناعة السياسات العمومية ببلدنا العزيز ـ  ورغم تشبتي القوي بتشبيب النخب السياسية، ورغم دعوتي الملحة إلى اعتماد ديمقراطية حزبية داخلية؛ ونظرا لفراغ تأطيري حقيقي، وغياب شبه تام لممارسة الحزب لمهامه الدستورية، والمتمثلة  ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ في زرع قيم المواطنة في صفوف المواطنين، وفي التأطير والتكوين والتربية السليمة..؛ ونظرا لامتلاء أحزابنا بأشخاص لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد، لا بالنضال ولا بالسياسية؛ بل إن “أغلب هذه الكائنات الانتخابية”، المتموقعة ـ ظلما وعدوانا ـ داخل جل الأحزاب السياسية، تجهل قوانينها الأساسية، ولا علم لها ببرامجها.. بل وإن الغالبية العظمى منها، لا تؤدي حتى واجب انخراطها السنوي..

وأنها لا تستفيق من سباتها العميق، إلا قُبيل أية استحقاقات انتخابية، حيث تتحرك ـ في عملية حاتمية ( نسبة إلى كرم حاتم الطائي )غريبة من نوعها ـ في إغراق مراكزها ببطاقات انخراط لأشخاص مؤدى عنهم واجب الانخراط، وذلك كي يوهموا قياداتهم، بأن لهم قاعدة شعبية، تؤهلهم ـ إلى جانب “الشكارة” ـ لتصدر اللوائح الانتخابية.. ليضيع النضال والمناضلون.. وليُخلف المغرب كعادته موعده مع التاريخ.. مع الديمقراطية.. مع الإصلاح.. مع الغد المشرق!

ورغم كل هذا وذاك، يبقى للمغرب السياسي رجال عظماء، بتجربتهم، بحنكتهم، بقاماتهم النضالية والفكرية، بوزنهم داخل المشهد السياسي لبلادنا، بالرغم مما قيل وما يقال عنه وفيه!

وتحضرني اللحظة شخصيتان بارزتان، كان لي شرف لقائهما لمناسبات متفرقة، فقد كانت عظيمة رغم شحتها، ويتعلق الأمر بالأستاذين: الحبيب المالكي، وامحند العنصر.

الأول ينتمي إلى تيار حزبي، نضالي/إصلاحي، انطلق في يوليوز 1972، مع صدور “بيان يوليوز”.. والذي سيؤسس لميلاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975، بقيادة المناضل الكبير المرحوم عبد الرحيم بوعبيد.. الذي لن تجود الأيام بمثله !

لكن وللأسف الكبير، فالحزب اليوم أراه شخصيا ـ كما يراه العديد من أصدقائي وزملائي، الذين يحملون “الوردة في قلوبهم”، قبل حملها في أياديهم ـ يعيش مرحلة “إنعاش سياسي” جد حرجة، وأن نسبة تعافيه تبقى جد ضئيلة.. لتنطبق عليه المقولة الطريفة “إن.. عاش!

ولن أتحدث عنها عن الأسباب والمسببات، التي جعلت “الوردة” تذبل فتذبل.. وتذبل !

فذاك حديث طويل مؤلم ومؤثر!

فما يهمني هنا، هو السيد الحبيب المالكي، كتجربة سياسية غنية وطويلة.. وكقامة فكرية وازنة، وهي أمور يستحضرها الخصوم قبل الموالين.. بل وحتى قبل الاشتراكيات الحقيقيات والاشتراكيين الحقيقيين، القادمات والقادمين من زمن النضال الصادق الجميل!

أما شخصيتنا السياسية الثانية في هذا المقال، فأقصد بها السيد امحند العنصر، والذي راكم من التجارب والخبرات، والممارسات الميدانية، ما جعل العبارة التالية تنطبق عليه بكل موضوعية، “رجل، اجتمع فيه ما تفرق في غيره”؛

سياسي محنك، ارتبط اسمه إلى درجة الالتصاق بحزب الحركة الشعبية، والذي تدرج في هياكله منذ سنة 1975، إلى أن أصبح كاتبا وطنيا له سنة 1986؛ ليتقلد العديد من المناصب السامية، شخصا أرى أن أبرزها، منصب وزير الداخلية، وذلك لعدة اعتبارات أهمها، أنها المرة الأولى في تاريخ المغرب الحديث، التي تسند فيها هذه المهمة السيادة العملاقة، لشخصية متحزبة.

وللأمانة فقط، فحزب الحركة الشعبية كان سباقا، في أدبياته السياسية، ومرجعيته الأخلاقية، وبرامجه ـ على اعتبار أن نشأة الحزب تعود فبراير 1959، على يد المرحومين لحسن اليوسي ومبارك البكاي، بهدف تكسير هيمنة حزب الميزان ـ إلى تبني فكرة “العدالة المجالية والاجتماعية”، وبالتالي العناية بالمغرب ككل حضريا وقرويا؛ وهذا ما عكسته الوثيقة التي قدمها الحزب مؤجرا لرئيس الحكومة، والتي ذكرت بمرجعية الحركة الشعبية، وبالأولويات التي كان الحزب دائما يدافع عنها، انطلاقا من مبادئه الراسخة، كالعدالة المجالية والاجتماعية، وكذا العناية بالمغرب ككل حضريا وقرويا

وبالمناسبة فقد قدم حزب السنبلة ثلاث اقتراحات محورية خلال فترة ما تبقى من الحجر الصحي:

ـ منها ما يعالج بعض الاختلالات التي يشكو منها المواطنون، والتي يجب معالجتها بشكل فوري؛

ـ ومنها ما يتعلق بإنعاش الاقتصاد الوطني، على المدى القريب والمتوسط؛

ـ وأخيرا الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية، التي أضحت ضرورية خلال هذه الأزمة؛

والخلاصة، فإن التواصل مع الرجلين، والجلوس إليهما، يجعلك تحس أنك أمام قامتين فكريتين عملاقتين، وأمام تجربتين سياسيتين غنيتين، وأمام شخصين طيبين، يتمتعان بأخلاق عالية، وبطيبوبة دافقة، وبهدوء كبير، يذكرك بهدوء الحكماء، ورزانة الفلاسفة !

ولعلنا جميعا ننهل من هاتين الشخصيتين الكبيرتين، المنحدرتين من مدرستين سياسيتين كبيرتين، وردة وسنبلة..

مع فارق بسيط في نظري المتواضع، كحقوقي متتبع للشأن العام ببلادي:

  • أن السنبلة ما زالت تحتفظ على تمساك حباتها، وأنه ما زال بمقدورها أن تلعب أدوارا مهمة وقيادية في تسيير الشأن المحلي، ولن أكون مبالغا منذ الآن، إذا تكهنت بظفر السنبلة برئاسة الحكومة المقبلة.. ولي قناعاتي التي بنيت عليها هذا التكهن؛
  • في حين أن الوردة، قد نُتِف ما تبقى من ورقاتها، تدريجيا منذ فتح أبواب مقر “حزب بنجلون”، أمام رئيس الحكومة السابق، والأمين العام السابق “لحزب الأكبر أقلية”، ومرورا بتخلي إدريس لشكر، عن الرئيس الشرعي للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، وانتهاء بمحاولة وزير العدل الحالي، المحسوب على حزب الوردة، “التمرير السري” في ظل الحالة الاستثنائية المرتبطة بجائحة كورونا، لمشروع القانون رقم 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، أو ما بات يعرف “بمشروع قانون تكميم الأفواه”..
  • هذا وليس من المستبعد أن يكشف لنا القادم من الأيام زلات “وردية” غير محسوبة!

وإذا كنت شخصيا أتكهن بأن يصبح الأستاذ امحند العنصر، رئيسا للحكومة القادمة، فأنني أتكهن أن يصبح الأستاذ الحبيب المالكي، مستشارا للملك.

مع تحيات ذ. محمد أنين

 

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *