الرئيسية | أخبار | رئيس المنتدى الوطني لحقوق الإنسان في رحلة عبر التاريخ.. بمتحف رونز للنسيج

رئيس المنتدى الوطني لحقوق الإنسان في رحلة عبر التاريخ.. بمتحف رونز للنسيج

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
رئيس المنتدى الوطني لحقوق الإنسان في رحلة عبر التاريخ.. بمتحف رونز للنسيج

هذا الزوال، كنا ـ صديقي TIJL وأنا ـ على موعد غير مبرمج ـ .. على الأقل في هذا اليوم ـ مع التاريخ..

فبعد عودتنا من فرنسا، هذا الصباح، وبينما نحن نتلذذ بتناول وجبة جاهزة، على مثن السيارة ـ متجاذبين كعادتنا ـ  أطراف الحديث في مواضيع مختلفة.. خطرت ببالنا فكرة زيارة المتحف البلدي المتعدد الأقسام.. والمتنوع الاختصاصات بمدينة RONSE..

.. وبدأت الزيارة، من متحف النسيج، لتنطلق رحلة عبر التاريخ..

كنا عشرة أشخاص: "عائلة فلامانية" تتكون من سبعة أفراد يمثلون ثلاثة أجيال.. الجدة والجد، والأم والأب، وأبناؤهما الثلاثة، وصديقي TIJL وأنا، إضافة إلى Jaen Marie ـ الخبير المسؤول عن المتحف، والذي هو في ذات الوقت، تقنيوعامل سابق في مجال النسيج..

.. رحلة جُبْنا فيها ومن خلالها قرونا مضت، أَسَّستْ لما نحن فيه اليوم، من تقدم يطبعه الاستهلاك، ويغزوه الإشهار، وتتقاسم مداخله الخيالية "شركات/غول"، في الصناعة والتجارة المصارف والأبناك.. شركات مجهولة الاسم Sociétés Anonymes .. عابرة للقارات.. تتجاوز ميزانياتها السنوية، ميزانيات دول عديدة مجتمعة !

في بداية هذه الرحلة الرائعة، أخذنا Jaen Marie، إلى عالم نوستالجي هادئ، حيث تعرفنا على آلتيْ نسيج خشبيَّتَيْن.. آلتيْن ضخمتيْن ومعقدتين من حيث تركيبتهما الميكانيكية.. !

كان Jaen Marie ـ وهو يقدم لنا تفاصيل تقنية وتطبيقية، عن كيفية اشتغال كل واحدة من هاتين الآلتين الشامختين ـ تعلو محياه ابتسامة عميقة.. عمق التاريخ ! وتبرز عيناه الخضراوتان، بشكل ملفت للنظر، شارحا لنا بصدق وأمانة حيثيات الآلتين، والحقبة التي وُلِدتا فيهما، لدرجة كاد أن يصبح معها " خبيرنا" هو الآلة.. وتصبح الآلة هي هو!

شروحات جعلتنا ـ نحن التسعة ـ مشدودين إلى "خبيرنا"، وأضحت معها لغته الهولندية، حقلا مغناطيسيا سحريا يشدنا.. يجمعنا.. يحرك أحاسيسنا.. يحملنا إلى زمن ما قُبْيْل الآلة البخارية، حيث الحياة كانت بسيطة، بساطة الحقبة وأناسها..!!

..ثم تحولنا إلى قاعة أخر مجاورة، حيث تطل المكننة  برأسها، من "شرفة إقطاعية"، لتخاطب البشرية، بكل أطيافها وأجناسها ومعتقداتها.. بأن المقدمات الأولى "للجشع الصناعي" قادمة و بقوة.. وبالتالي فلا أحد باستطاعته ـ على امتداد كوكبنا الأزرق ـ إيقاف هذا الزحف الصناعي/ الميكانيكي أو حتى مجرد التفكير في صده !

وهكذا، وكلما ازداد "مرشدنا السياحي/ التاريخي/التقني"، تعمقا في التفاصيل، كلما ازدادت عيون الحاضرين  تعلقا والتصاقا به، إلى درجة  كنت أتحرك في هدوء ـ بين الفينة والأخرى ـ لالتقاط بعض الصور، تأْريخا لهذه الرحلة.. دون أن يفطن بي أحد!

.. وننتقل بعد ذلك إلى معمل لصيق بالغرفتين السالفتيْ الذكر.. معمل حُوِّل إلى فضاء تاريخي كبير، يضم بين جنباته أزيد من 50 آلة ميكانيكية، كانت تعمل في قطاع النسيج والأقمشة، قبل أن تحال على تقاعد محترم، بوأها مرتبة الزعماء التاريخين، لتقف في عز ونخوة وأنفة وشموخ، شاهدة على العصر، تحكي للأجيال الحالية وللأجيال القادمة، أسرار الثورة الفلاحية، التي مهدت لثورة صناعية أولى، دُشِّنت باختراع الآلة البخارية في بريطانية سنة 1784..

وهي نفس الفترة التي بدأت فيها "الفيودالية" ـ وعلى مضض تطأطئ الرأس ـ لتقاسم الزمان والمكان مع بورجوازية شرهة.. وكل ذلك تحث أعين شاحبة لبروليطارية قادمة من أعماق البأس.. وبراثين الفقر.. وغيابات الكد.. ومنابع العرق المتصبب على جباه الكادحات والكادحين، في سبيل تأمين "كسرة خبز سوداء"!

..ويسترسل Jaen Marie ـ وكأنه قطعة من هذا الحقل الميكانكي الكبيرـ يشرح.. ويشرح، ويقدم أمثلة تطبيقية حية، على آلات تعود إلى سنة 1912 وغيرها من السنوات التي تليها .. آلات تقف في شموخ منقطع النظير، مقاوِمة كل امتدادت "الشيخوخة"، وتسرباتها، ورافضة  ـ في ذات الوقت ـ لكل أشكال الإهمال والنسيان !

والآلات الشامخات تتحرك تباعا، تملأ جنبات المكان ضجيجا أقوى مما يمكن أن يتصوره العقل، أو يخطر على بال!

فأجدني أعيش تجربة حقيقية، أعايش فيه فيالق من البؤساء ـ على غرار "بؤساء الكاتب الكبير فيكتور هيغو" ـ وكأني أرى وجوه العمال الشاحبة، ونظراته التائهة المثيرة للشفقة، وثيابهم الرثة، وقبعاتهم الباهتة الألوان، والغريبة الشكال، والتي تبقى لوحدها كفيلة بأن تصنف أصحابها في سلم اجتماعي متدني.. !

لحظات قاسية ،تلك التي تحملني إليها مخيلتي.. حيث تتسرب إلى مسامعي ـ عبر ضجيج جهنمي، يملأ الزمان والمكان ـ  أصواتُ عمال، يتوسلون لرب العمل قصد إرجاعهم إلى عمل طردوا منه.. قصد إرجاعهم إلى ضجيج يستحيل أن يقبل به أحد من "سكان هذا العصر"، مهما عرض عليه من إغراءات !

 "طرد تعسفي"، بلغة العصر، يَسْتَنِدُ لأسباب ـ أقل ما يمكن أن توصف بها .. أنها واهية، ومبنية على غياب قانوني، يجيز كل شيء ضد  "طبقة مثيرة للشفقة".. "طبقة مهضومة الحقوق".. "طبقة كادحة".. يجيز كل شيء ضدها إلا أنصافها..

ويختلط لدي الضجيج بتوسلات المقهورين، وتعاسة عمال مناجم الفحم.. بقساوة الطبيعة، وببرودة الطقس.. بل وبتجمده، والحرارة تهبط لأزيد من 20 درجة تحت الصفر !

.. وبينما صور البأس، والفقر، والجوع، والحاجة، تحاصرني ـ في خضم ضجيج لا يُطاق للآلات ـ من كل حدب وصوب.. تخرج فجأة، من رحم إحدى آلات  النسيج، التي أدار محركها ـ منذ لحظات ـ " الجزء منها Jean Marie"..تخرج أفكار رافضة لهذا الظلم الاجتماع... إنها أفكار ضمها كتاب " Das  Capital رأس المال"، الذي يختزل مشاريع شيوعي لفكر  الفيلسوف الألماني كارل ماركس.. وأخرى تناولها كتاب  بعنوان "ظروف الطبقة العاملة في إنجلترا" لكاتبه فريدريك أنجلز.. أفكار ترفض الاستغلال المتوحش للطبقة العاملة، من قِبَل "رأس المال".. ترفض غياب الرعاية الصحية.. ترفض الأجر الهزيل، الذي لم يكن ليسد رمق وحاجات العمال وأسرهم.. أفكار ـ بكل بساطة ـ تختزلها عبارة كارل ماركس الشهيرة : " يا عمال العالم اتحدوا".

هذه الآلات التي تملأ المكان والزمان ضجيجا لا يُتَحمَّل.. هذه الآلات التي استغلت الكادحات والكادحين، لسنوات طوال/عجاف.. ! هذه الآلات القاسية، التي كم بترت من يد، وكم قطعت من قدم ومن رِجْل.. ! هذه الآلات التي كم خلفت من إعاقات جسدية وذهنية.. ! هذه الآلات  الظالمة التي كم رملت من زوجة ! وكم يتمت من أبناء.. !

هذه الآلات على علتها، هي التي أشعلت نار الثورات على امتداد أوروبا.. هذه الآلات هي التي كانت السبب في قيام الثورة البولشيفية سنة 1917.. هذه الآلات هي التي حملت "لينين" إلى دفة قيادة الاتحاد السوفياتي.. هذه الآلات هي التي كانت السبب في ولادة الحركة النقابية.. هذه الآلات هي التي فرضت على الدول الصناعية، حينها ضرورة التدخل العاجل، للحد من سلبيات التفاوت الطبقي، وذلك بسنها تشريعات عمالية، تهم تشغيل النساء، وتشغيل الأطفال، وتحديد ساعات العمل، وتطبيق "ضمان المرض" و"ضمان حوادث الشغل"، و"ضمان الشيخوخة"..

هذه الآلات البخارية، والهوائية والكهربائية، هي التي كانت سببا في إغراء سكان القرى.. هذه الآلات هي التي كانت السبب الرئيس في الهجرة القروية.. وفي تضخم المدن، وفي تفوق العرض على الطلب.. وفي انخفاض الأسعار، وفي تزايد العاطلين عن العمل..

هذه الآلات التي لا إحساس لديها ولا قلب، هي التي كانت سبب احتدام التنافس بين الدول الصناعية، للسيطرة على المواد الخام، والأسواق الخارجية.. هذه الآلات الصماء ـ والتي لم تكم في يوم من الأيام خرساء، بدليل ضوضائها وضجيجها اللذين لا يحتملان ـ هي التي كانت وراء تفاقم الاستعمار، وانقسام  العالم إلى: جزء مهيمن استعماري، تمثله الدول الصناعية؛ وجزء مُسْتَعْمَرٍ، يضم بلدانا إفريقية وأخرى أسيوية، وثالثة من أمريكا الجنوبية..

هذه الآلات التي كانت سباقة ـ منذ عصرها الخشبي، حيث كانت تُصنع بالخشب، قبل أن تُصنع من الحديد وغيره ـ إلى توظيف "قراءة الحاسوب الحالي (0 ـ 1 )"، هي التي شكلت الأرضية الصلبة التي قامت عليها  كل من:

ـ الثورة الصناعية الأولى: سنة 1784 ، باختراع الآلة البخارية؛

ـ الثورة الصناعية الثانية: سنة 1870 ، بالانتقال إلى استخدام الطاقة الكهربائية؛

ـ الثورة الصناعية الثالثة: سنة 1969 ، مع اختراع الحاسوب، ونقل أول رسالة عبر الأنترنت،

ـ الثورة الصناعية الرابعة: وهي المرحلة الحالية، حيث ظهرت تقنية ARTIFICIAL INTELLIGENCE و BIG DATA   و  3D PRINTING، والتحكم في الجينات.. إلخ

هذه الآلات هي بمثابة الواجهة الخلفية، لما يعيشه العالم اليوم قاطبة من أحداث.. هذه الآلات هي التي هيأت الظروف والأسباب الأحداث "لحروب اليوم بالوكالة".. هذه الآلات هي "لسلف شبه الصالح" ، "للخلف النووي الطالح"، الذي يتربص بالجميع.. !

هذه الآلات القوية، الصلبة، الظالمة، قوة وصلابة وظلم بعد البشر، هي التي تجعلنا اليوم داخل المنتدى الوطني لحقوق الإنسان، نتموقع في خندق النضال، رفقة باقي القوى الحية بكوكبنا الأزرق، رهاننا اجتثاث الظلم والفساد من جذوره، ورجاؤنا أن ينعم الجميع في عيش كريم، داخل وطن عادل !  

..وتبقى هذه الآلات الرابضة "بمتحف RONSE للنسيج" شامخة، ومقاومة للزمن والنسيان.. لبنة من لبنات الحضارة الإنسانية، بني عليها الماضي، ويبنى عليها الحاضر.. وسيبنى عليها المستقبل لا محالة !

.. وينقطع حفل أفكاري فجأة.. وأعود إلى شروحات Jean Marie القيمة، لأجزل  له الشكر على هذه الرحلة ـ التي وفرها للحضور، ولصديقي العزيز TIJL  وأنا معهم ـ عبر التاريخ !

                                                                                 إمضاء : رئيس المنتدى الوطني لحقوق الإنسان

                                                                                                    ذ. محمد أنين

 

 

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك