الرئيسية | آراء | "الطليعة العربية" ... أنتم ، ومنكم ، وبكم ... ؟!

"الطليعة العربية" ... أنتم ، ومنكم ، وبكم ... ؟!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
"الطليعة العربية" ... أنتم ، ومنكم ، وبكم ... ؟!

 

 

      ( صدر عن "مركز دراسات الوحدة العربية" كتاب يحمل عنوان : "الأحزاب والحركات والتنظيمات القومية في الوطن العربي" تأليف عدد من الباحثين بإشراف الأخ والصديق العزيز الأستاد محمد جمال باروت يتضمن ما يمكن اعتباره توثيق مرجعي للمحاولات التي بدأت مع بداية القرن المنصرم لمأسسة النضال القومي العربي في منتديات وجمعيات وحركات وأحزاب وعندما فاتحني الأستاذ باروت بالفكرة اعتبرتها خطوة هامة لتقييم تلك المرحلة وما رافقها من نجاحات وإخفاقات ، فلم أتردد بالموافقة على المساهمة بتقديم بحث عن "أنصار الطليعة العربية" أرجو أن أكون قد وفقت في الإضاءة على هذه التجربة التي منحتها ما مضى من العمر ، وسأمنح ما تبقى منه لمحاولة الانتقال إلى غائيتها ببناء "الطليعة العربية" ،إن هذا البحث يحتمل الكثير من الإضافات والتفاصيل والتوثيق ، وبالتالي فأنا لا أتحدث عن تجربة ولدت وانتهت ، وإنما عن تجربة حية تنبض روحها وتنتفض لمواجهة هذا الخراب والتخريب الذي أحدثه هذا النظام الإقليمي الفاسد التابع المخرّب بين المحيط والخليج ، لهذا أرى أن جميع القوميين العرب التقدميين ، أو من تبقى منهم ممسكاً بالبوصلة المنهجية مدعويين لافتراش "بساط الثلاثاء" على مدى الحلقات الخمس للإضافة والتعديل واقتراح الحلول للمشكلات التي أعاقت الانتقال من المرحلة الإعدادية إلى "الطليعة العربية" والأهم : كيف يمكن استئناف المسيرة باتجاه هذا الهدف النبيل .)

 

         ( ما يعنيني بالدرجة الأولى هو وضع هذه التجربة ، وهذا المشروع بين أيادي الجيل العربي الجديد ، وبتصرفه ، فهو المعني بصياغة مستقبل هذه الأمة ووضع الأسس وإبداع الأساليب لتجاوز مرحلة الخرائب وحقول الألغام التي زرعتها أنظمة الفساد والقمع والتبعية والعصبويات المدمرة للنسيج الاجتماعي والتي غيبتّ أجيالاً عربية - على مدى العقود السابقة - عن الفعل قمعاً واستلاباً وخوفاً فتم إجهاض مشروع النهوض والحرية والتقدم في هذه الأمة ... إنها دعوة للفعل في الحاضر باتجاه المستقبل ... !)

 

دمشق : 21/10 /2014

 

حبيب عيسى

 

 

 

 

 

"تتمة : 5 من 5" ...:

 

( 10 )

 

        الآن وبعد 34 عاماً على " بيان طارق " نطل على تلك التجربة التي اختبرت وخرجّت الكثير من الفاشلين ، لكنها خرّجت أيضاً الكثير من المناضلين والمتفانين والصوفيين وشهدت نقاشات وبحوثاً ودراسات ومقترحات وحلولاً ، ربما أكثر مما ينبغي ، وأبعد مما يحتمل الواقع العربي ..

 

        لنقول ، ومن وجهة نظر شخصية مطروحة للحوار إننا نرى الآن ما لم نكن نراه سابقاً في ظلال التلاحم المر مع الظروف الصعبة والمتغيرة .. خلال العقود المنصرمة نقول : ربما كان على " أنصار الطليعة العربية " أن يتداعوا فور زلزال الخامس من حزيران /يونيو 1967 ليعيدوا النظر في أسلوب بناء " الطليعة العربية " و " التنظيم الإعدادي " ، ثم كان عليهم كفرصة أخيرة أن يفعلوا ذلك بعد غياب ، أو تغييّب جمال عبد الناصر في 28 أيلول /سبتمبر 1970 ...

 

         ربما كان عليهم أن لا يعتبروا أنفسهم بديلاً عن القوى والأحزاب القائمة ، وإنما رديفاً لها ، ربما كان عليهم أن يضعوا حداً للعمل السري في الوقت المناسب لأنه يناقض ويدمّر إعمال منهجهم في الواقع ، ولأنهم لم يفعلوا ، ولأن النقاشات والحوارات التي استغرقتهم أكثر مما ينبغي واستهوتهم في بعض الأحيان لتكون بديلاً من الفعل والممارسة .. فقد فشلوا في اجتياز تلك المرحلة الإعدادية ...

 

          وإذا كان من المهم أن تتوسع الثقافة في المرحلة الإعدادية ، فإن القول الفصل كان بأن يجتاز " الأنصار " تلك المرحلة الإعدادية إلى " الطليعة العربية " ، ولأنهم رسبوا في الامتحان مرة تلو الأخرى ، وكرروا الرسوب فإنهم استحقوا النتيجة المأساوية التي صبغت تجربتهم ، حيث لا يمكن لأحد ، لا على الصعيد الفردي ، ولا على الصعيد الجماعي أن يستقر في مرحلة معينة لا يتخطاها ، فإما أن يتعفن ، وإما أن يتحلل ، ولا يجدي في هذا الشأن إلقاء المسؤولية على الظروف الموضوعية ، لأن حركات التغيير التاريخية تكتسب صيغتها وهويتها ، وتدخل التاريخ من باب قدرتها على تطوير أدواتها وأساليبها للتعامل مع الظروف المتغيرة ، لكن التاريخ للأسف لا يحتمل هذه " الربما " فالنتائج بينّة لاشك في مأساويتها ، إنما لا يجدي البكاء على الأطلال ، أو جلد الذات ، بل لابد من الإجابة الفورية عن السؤال : ما العمل ؟ ما العمل الآن ؟ وليس ما كان يجب عمله ..!

 

( 11 )

 

        الآن نقول إن ما أصاب حركة " الطليعة العربية " أصاب إلى هذا الحد أو ذاك جميع الفصائل والأحزاب والحركات السياسية في الوطن العربي ، ونكاد لا نعثر على اتجاه سياسي أو إيديولوجي أو حزبي أو حركي إلا وتفرعت عته حركات للتجاوز ..

 

         لكن حتى محاولات التجاوز تلك عادت لتسقط في أوحال الواقع ذاتها ، وإذا كان هذا التقييم يشمل " أنصار الطليعة العربية " فإنه يؤكد في الوقت ذاته الفكرة الأساسية التي بنى عليها " بيان طارق " بنيانه ، وهي فشل الإقليمية أحزاباً وأنظمة ، في حمل مشروع النهوض والتحرر العربي ، وإن المشكلات القومية لا يمكن أن تجد حلولها الصحيحة إلا بأساليب قومية ...

 

         وهكذا ، فإن النضال القومي العربي التقدمي مازال هو الحل .. بل ربما هو الحل الوحيد .. لكن بأسلوب جديد ، وأدوات مناسبة ، وطليعيون عرب جدد ... وربما تكون البداية بالانعتاق من الأساليب السابقة بعد استخلاص العبر والدروس خاصة لجهة القطع النهائي مع التفرد .. والانتقال إلى التعددية ، والتنافس الديمقراطي بين مشاريع النهوض والتحرر والتقدم ، فالضد يظهر حسنه الضد ، والطريق إلى النهوض العربي يتسع للجميع وطوبى لمن يتقدم الصفوف ، وهكذا ، فإن الحلم مازال مشرعاً ...!

 

        أما عن الأساليب والأدوات فتلك مهمات ملقاة على عاتق الجيل العربي الجديد من " الطليعيون العرب الجدد " وعلى غيرهم في المشاريع الأخرى .. ولناحية الأسلوب ، فإنني أعود إلى متن " بيان طارق " الذي تنبأ بما نحن فيه الآن ، وحدّد منه موقفاً صارماً ؟، فما حدث ليس نهاية التاريخ ، لقد جاء في " بيان طارق " ولننتبه إلى هذه الفقرة : " إن قيام تنظيم انتقالي .. "أنصار الطليعة العربية" لمدة محددة تكون مهمته مقصورة على إعداد القاعدة الجماهيرية اللازمة لمولد الطليعة العربية ، وليبقى بعد مولد الطليعة العربية قاعدة جماهيرية منظمة لها ، تتولى الترشيح لعضويتها وتزويدها بالمناضلين بعد أن تكون قد أعدتهم فكرياً وتنظيمياً لهذه العضوية .. وفي نهاية تلك المرحلة الإعدادية ... يتكون " مؤتمر قومي تأسيسي" تنبثق عنه " الطليعة العربية " تنظيماً قومياً ، ذلك من دون أن يكون عمل " الأنصار " قبل مولد " الطليعة العربية " فعلاً محسوباً على " الطليعة العربية " ، حتى إذا فشلت المحاولة لا يؤثر الفشل في فكرة التنظيم العربي الواحد ، ولا تهتز ثقة الجماهير في ضرورته ، أي أن تظل الفرصة متاحة أمام الشعب العربي لمحاولة أخرى لخلق " التنظيم القومي " .. إن هذا التحفظ ضد عجز الذين يبدأون فلا ينقلب عجزهم حكماً على مصير الشعب العربي أمر لازم بحكم أن الولاء أولاً وأخيراً للأمة العربية ..

 

        ومن خلال هذا التنظيم الانتقالي " أنصار الطليعة العربية " ستتاح الفرصة كاملة لاختبار الفكر الطليعي ، ومدى قدرته على أن يحقق الوحدة الفكرية اللازمة لزوماً لا يمكن تجاهله ، أو تخطيه لأي تنظيم قومي ، أو تتاح فرصة صقله أو إكماله ، أو تعديله خلال الممارسة بحيث يصبح عند مولد الطليعة العربية على اكبر قدر من النضج والتكامل والصلابة والوضوح ، أو أن فشل " الفكر الطليعي " لا يكون محسوباً على " الطليعة العربية " فلا يهز الثقة ، وتتسع الفرصة مرة أخرى لمزيد من الاجتهاد الفكري والطليعي " (38)   .

 

        إذن فإن " بيان طارق " ذاته قد تحوط للفشل الذي قد يحصل نتيجة الأسلوب ، أو بفعل تغير الظروف ، وأن ذلك الفشل لا ينسب إلى الغائية ، وهي بناء " الطليعة العربية " .

 

        إن في الوطن العربي الآن دعوة تجوب الأرجاء لبناء " الطليعة العربية " الدعاة الجدد من أرومات مختلفة ، منهم من كانوا " أنصاراً " ، وغالبيتهم ممن دفعتهم التجارب المرة حديثاً إلى هذا الموقع ، وهم الآن أكثر وعياً ، وأعمق تجربة ، أما كيف تبنى " الطليعة العربية " ..؟ وما هو الأسلوب ..؟ وما هي الأدوات ..؟ كيف يقرأون الواقع ، وما هو المصير ، كيف ، ومتى يبدأ الانطلاق من الواقع كما هو .. إلى المصير المنشود ..؟ من أين تبدأ الانطلاقة الجديدة ..؟ وما هو مسارها ..؟ فهذه كلها أسئلة مشروعة وبقدر ما تتسع دائرة الحوار حولها تكون الإجابات في السياق الصحيح ، كما يأمل الدعاة الجدد . ...

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  هامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

"38" – الطريق إلى الوحدة العربية – عصمت سيف الدولة – مصدر سابق – ص 267

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

تـعـقـيــــــــــب : 

 

( 1 )

 

         لقد كان هذا الحيث سابقاً على أحداث "الربيع العربي" ، وقد قصدت أن تكون نهايته  مفتوحة على المستقبل في كتاب ( الأحزاب والحركات والتنظيمات القومية في الوطن العربي ) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ، وإذا كان الحديث في الكتاب قد انتهى ، فإن الحديث عن "الطليعة العربية" يجب أن يبدأ الآن ، بالضبط الآن ، خاصة بين شباب الميادين العربية الذين كسروا حلقة هامة من حلقات القيود التي كبلت واستلبت الإرادة العربية على مدى العقود الأربعة الأخيرة ، وهي حلقة الخوف من أجهزة القمع ، ومن ثم التمرد على طغاة تألهوا وتوهموا أنهم امتلكوا البلاد والعباد يؤرثونها لعيالهم من بعدهم ....

 

( 2 )

 

          صحيح أن القوى المضادة في الداخل العربي بتدخل مباشر من قوى الطغيان الدولية استوعبت الصدمة وشنت هجوماً مضاداً لإعادة الحال إلى ما كانت عليه ، ودفن الربيع العربي ، وصحيح أيضاً أن شباب الميادين العربية تم تصفية الكثيرين منهم وملاحقة وتهميش من تبقى ، فسطى على ثورة الشباب من لا يستحق وتصادمت المسارات ...

 

          ففي مصر  مهد الأخوان لإعادة مبارك بلباس السيسي ، وفي اليمن يمهد الحوثيون الذين يرفعون "شعارات الموت لأمريكا وإسرائيل" لإعادة علي عبد الله صالح وعياله خدمة لأمريكا وإسرائيل ، وتعمل القوى المضادة في تونس وفي ليبيا وفي سورية على دفن الربيع العربي بهذه الطريقة أو تلك ، وتتحالف قوى الطغيان العالمية بإرسال الأساطيل والقاذفات تنتهك حرمة الوطن العربي فتقصف حيث تشاء ومن تشاء ...

 

         بينما تضع  الأنظمة العائلية الأخرى بين المحيط والخليج ميزانياتها تحت تصرف القوى المضادة لمشروع الحرية بهدف اختراق الصفوف وحرف الصراع بحيث ينتقل الصراع من صراع أمة تتوق إلى التحرر والحرية بمواجهة أنظمة استبدادية طغت وأفسدت ونهبت ودمرت النسيج الوطني للأمة على صعيد الأجزاء والكل العربي إلى صراعات بين متوحشين يتنافسون في ارتكاب الفظائع سواء في أوكار ظلام سجون الطغاة ، أو في أوكار ظلام أصحاب الوجوه الأخرى للطغيان والتوحش ، وهكذا ، بحكم الحاجة والضعف ، يتحول المتصارعون من الأطراف كافة إلى بيادق تحركها قوى الهيمنة الخارجية حيث تشاء ، وأين تشاء ، فتثـبّت البعض في مواقعه ، وتحدد للبعض الأخر نطاق حكمه ، وتطرد خارج الساحة من تشاء ...

 

( 3 )

 

        وهكذا باتت الأنظار كلها تتجه إلى الخارج ، ترى ماذا يريدون ؟ ، ولم نعد نسمع من يسأل مجرد سؤال : ماذا نريد نحن العرب ؟ ، بحيث بات الجميع ينتظر ، ماذا يريدون لنا ؟ ، بانتظار الكشف عن الصفقات الخفية التي يجري إعدادها بين الأمريكان والأيرانيين والأوروبيين والروس والأتراك والصينيين لاقتسام الكعكة العربية واستكمال مشروع صهينة الوطن العربي بين المحيط والخليج بإقامة كيانات صهيونية البنية : مذهبياً ، أو طائفياً ، أو دينياً ، أو عرقياً ، أوقبلياً ، أو عائلياً  .

 

           لقد كتبت منذ حوالي عام تقريباً على هذا البساط "بساط الثلاثاء" عن أوجه التشابه بين سايكس وبيكو من جهة وبين لافروف وكيري من جهة أخرى ، ذلك أن سايكس وبيكو كانا مجرد مؤسسين لنظام إقليمي في الوطن العربي تتوسطه "كيبوتزات" صهيونية في فلسطين بينما لافروف وكيري يؤسسان لتعميم تجربة الكيبوتزات الصهيونية عنصرياً ودينياً ومذهبياً وطائفياً بين المحيط والخليج ، وإذا كان سايكس وبيكو وبلفور والمؤتمرين في سان ريمو ويالطا اضطروا إلى استيراد كوادر الكيبوتزات الصهيونية من الخارج ، فإن الأنتاج المحلي في الوطن العربي بدعم نشط من الدول المجاورة شرقاً وشمالاً وجنوباً وغرباً ، هذه الأيام ، يكفي لتشغيل كيبوتزات كيري ولافروف ومن لف لفهما بين المحيط والخليج .

 

( 4 )

 

           هل الصورة سوداوية إلى هذه الدرجة ؟ ، نعم ، وربما التفاصيل تكون أكثر بشاعة ، لكن "العبرة في الخواتيم" كما قالت العرب قديماً .

 

            إن الهدف من إصرار هذا النظام الدولي الممسوك من مافيات نهب الشعوب واستعبادها على جعل المشهد بهذه البشاعة في الوطن العربي هو دفع شباب الميادين العربية إلى الترحم على أيام الاستكانة والسكونية والاستلاب للطغاة وأجهزتهم من جهة ، واستكمال تشويه حضارة العرب وعقائدهم وقيمهم من جهة أخرى ، واستمرار وضع اليد الغاصبة المافوية على الوطن العربي من جهة ثالثة عبر وكلاء خبرت انصياعهم ...

 

          لكن دعونا نحدد بمنتهى الوضوح أن المستقبل العربي لا يتوقف على ما يريده النظام الدولي المافوي ، ولا على ما ينفذه خدمه من الحكام الطغاة ، ولا على ما تمارسه عناصر التوحش التي حشدوها من أرجاء العالم ، وإنما يتوقف أولاً وأخيراً على ما يقرره شباب الميادين العربية ، وعلى مقدرتهم واقتدارهم باستعادة زمام المبادرة وتوجيه دفة القيادة بالاتجاه الصحيح ، وتنظيف الأرض العربية من كل هذا الزبد الذي طفى على السطح خلال الأعوام الخمسة الأخيرة بعد أن راكمه وخزنّه الطغاة خلال العقود الخمسة الأخيرة .

 

( 5 )

 

         إن عودة الروح للشباب العربي تتوقف على مقدرة شباب الميادين العربية في إجراء وقفة تقييمية ونقدية لما جرى ، ومن ثم ، وفي ضوء ذلك ، وفي ضوء ما تكشف لهم من معطيات يقيموّن  الأداء موضوعياً ، ومن ثم يحددون خطواتهم باتجاه المستقبل تكتيكياً واستراتيجياً ، وهذا يتم عبر خطوات نوردها باختصار شديد :

 

1 -  تقييم النظام الإقليمي في الوطن العربي تقييماً موضوعياً بأنه نظام كان آيلاً للسقوط منذ أكثر من أربعة عقود ، وأن استمراره  إلى اليوم لم يكن عائداً إلى قوته الذاتية ، ولكن لعدم وجود قوى منظمة قادرة على إسقاطه .

 

2 – لقد وصل النظام الأقليمي إلى نهاية الطريق المسدود بعد أن ُأتخم فساداً ونهباً وتفريطاً بالحقوق الوطنية والقومية وتحول من مشروع دول لها سطات إلى سلطات عائلية وعصبوية متحكمة بمقدرات الأجزاء العربية ، فكان لا بد من الثورة ولو كان ذلك في ظل غياب أدواتها المنظمة ، وهذا الغياب أدى ويؤدي موضوعياً إلى اختلاط الأوراق بين قوى متعارضة فعصور الاستبداد المديدة تنتج جماعات مافوية مستفيدة وجماعات مهمشة وجماعات مارست الظلم وتخشى من الحساب وجماعات مظلومة تبحث عن فرصة للانتقام وجماعات عصبوية تنتظر فرصة للانقضاض ، كل هذا بالتزامن مع كم هائل من الأجندات الخارجية التي تجدها فرصة سانحة لاختراق كل تلك الجماعات وتوظيفها لخدمة مصالحها ، وهذا ما حصل خلال السنوات الخمس الماضية ، ويحصل حتى الآن .

 

3 -  إن السمة الأساسية التي ميزت مشروع النهوض العربي وأجهضته ابتداء من عام 1970 تمثلت في اعتكاف المعنيين القوميين عن بناء أداة ثورية كحامل مقتدر لمشروعهم واستبدال ذلك بالتوجه إلى البحث عن زعيم أو ملهم للعمل لديه ، وهكذا توزعت الولاءات بين زعماء تحولوا ( أحزاباً وحركات وقادة ) إلى حكام إقليميين همهم الأول والأخير التفرد في حكم أقاليمهم مع ما يترتب على ذلك من أخطاء وخطايا وفساد وارتهان لقوى خارجية ومخططات معادية .

 

4 – لقد قدم الذين حكموا باسم المشروع القومي العربي نمازج من أنظمة الاستبداد  والتخريب المجتمعي والعصبوي والفساد لا يليق أن ُتنسب بأي حال من الأحوال لمشروع النهوض العربي القومي التقدمي ، وقد أدى هذا كله فيما أدى إليه إلى نتائج في غاية السلبية أهمها تمثل في انفضاض الحاضنة الشعبية التي كانت تحتضن المشروع القومي التقدمي باعتبار أن أنظمة الحكم المتسلطة تلك قدمت نمازج غاية في السلبية انعكست سلباً على مشروع النهوض القومي فالجماهير العربية احتضنت المشروع القومي العربي لإنها تنشد الحرية والمساواة والعدالة والتحرر والحرية والتقدم ، فأذا بها تفاجأ بمن يطلقون الشعارات القومية يقيمون أنظمة تنتج إقليمية جديدة أكثر خطراُ من الإقليمية التقليدية  وأنظمة استبدادية أكثر سوءاً من الأنظمة التقليدية فتم الخلط بين المشروع القومي والاستبداد ، لهذا فإن الخطوة الأولى المطلوبة هي القطع التام بين مشروع النهوض القومي التقدمي وبين الاستبداد ماضياً وحاضراً ومستقبلاً     .

 

5 - تقييم ما جرى ويجري في الميادين العربية خلال السنوات الخمس في إطار الفهم التاريخي للثورات التاريخية الكبرى التي مرت بالمحطات التي نمر بها الآن وذلك لوضع حد للأحباط ، فشباب الميادين العربية لا يشعرون بالحنين لعصر الاستكانة والسكون والاستلاب للطغاة والمستبدين ، ولن يستكينوا للطغاة الجدد ، ويدركون الآن أكثر من أي وقت مضى أن القوى المضادة لم تتمكن من سرقة ثورتهم بسبب قواها الذاتية ، وإنما لإسباب تتعلق بإهمال شباب الميادين العربية لقضية تنظيم صفوفهم مما مكن القوى المضادة من اختراق صفوفهم ، ومن حيث النتيجة تهميش دورهم .

 

         ومن حيث النتيجة على شباب الميادين العربية إدراك أهمية بناء التنظيم القومي التقدمي فهو العاصم لنضالهم وتضحياتهم وهو الأداة التي تمكنهم من التقدم باتجاه أهدافهم النبيلة ، أما كيف يؤسسون له ؟ ، فهذا شأنهم ،  لهذا تعمدت أن يكون الحديث عن "أنصار الطليعة العربية" عاماً يتعلق بالأسباب والغايات دون الدخول في تفاصيل الأسماء  وتطور المواقف وتبدلها تقدماً وتراجعاً ... فليستفيدوا من كل التجارب دون الدخول في الصراعات التي دارت حولها ، ومعها ، وداخلها ... وليكفوا عن الصراعات الماضوية وليولون وجوههم شطر المستقبل لبناء بناء مستقبلي يليق بهم ، وبأمتهم العظيمة ...

 

حبيب عيسى

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك