الرئيسية | آراء | مذكرة المناضل علال -2

مذكرة المناضل علال -2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مذكرة المناضل علال -2

("لما أحسست بالعمر يتقدم رويداً رويداً، عزمت على أن أحكي لابن عمي المتعلم الوحيد في أسرة آل علال، كل حكاياتي مع النضال، نصحته بأن يدون كل ما أمليه عليه، لكي أقدم لكل المهتمين عصارة حياتي التي، لا محالة، سوف يستفيد منها الخَلَفُ، وهذه المذكرات عبارة عن فلسفتي في الحياة، أو حياة مناضل ولج باب البرلمان من بابه الواسع ..، ولم أخرج منه إلا حين أصابني الخَرَفُ؛ وإليكم هذه المذكرات التي أتمنى من الله أن تكون نبراسا لنضالاتكم المستميتة..." )

  ..لما اشتد عودي، بدأتُ أُصاحب أبي إلى الأسواق والادارات، مع مرور الوقت، تعرفت على أصدقاء أبي كل واحد باسمه وحرفته، بعد أن عَرَفوني وعرفتُهم بدأوا ينادونني بعلال الشجاع؛ كنت أنتشي وأنا أسمع هذا اللقب، انصرف إخوتي إلى التجارة في الخضر، بينما اخترت أن أكون دوماً بجانب أبي، حفِظت أسلوبه في التعامل والنفاق؛ كم من مرة نهرني أبي عن تصرفات كانت تصدر عني دون أن أقصد منها لا الاساءة ولا المجاملة، كان شديد الحذر شديد الحساسية. أحشر أنفي في كل حادثة، في الأمور الادارية، الاقتصادية، السياسية،..تمكنت وأنا ابن الثالثة والعشرين من عمري أن أتنزع التزكية من الأمين الجهوي للحزب، أبناء المنطقة استبشروا خيراً بما سوف أقدم عليه، لأن أبي كما قال للقائد ذات صباح وهم يستعدون لتلقيح بهائم الدوار أنه لا يستطيع تقديم نفسه للانتخابات للمرة الثامنة..وبالتالي يُستحسن أن أخلفه في هذه المهمة الصعبة، ومنذ ذلك الحين وأنا أتزعم كل مبادرة، يكفي أن أحكي هنا قصة طريفة: استدعاني القائد إلى مكتبه وأوصاني أن أكون في مستوى حسن الضيافة، وخاصة مع الطاقم الاداري المكلف بتسجيل البالغين لسن الترشح للانتخابات، فتحتُ مكتب التسجيل في أحد "الكراجات" في منزلنا السفلي، حين علم القائد بالخبر استدعاني، رَبَتَ على كتفي، وقلتُ له: "اللي ما عجبو الحال نَخْلي دار بوه"، نظر القائد نظرة استغراب وعقّب قائلاً: "يبدو أنك ما زلت صغيراً، وتحتاج الى وقت طويل لتُجرّب أمواج هذا البحر.."، جرَّبتُ أهوالَ البحر وعواصف البر، ظلَلْت أجري من دار إلى أخرى بمعية مجموعة من أعوان السلطة، في ظرف خمسة عشر يوماً، سجلنا المنطقة بالكامل، حتى قال بعضهم بروح مَرِحةٍ: "أننا سجلنا حتى الذين ماتوا منذ مدة.."ورد آخر: "هؤلاء نُطعِّم بهم صندوق الانتخاب إذا ما حصل مكروه ما.." اهتز "الكاراج" بقهقهات الجميع وهم يغمسون أيديهم في الصحون المليئة بالسمن والعسل وبكل أنواع الحلويات..نعم سيدي القائد نحن من سلالة الكرم والسياسة. قلت في نفسي ذات يوم: ما ذا تعني السياسة؟ أجبت دون تفكير: "بالسياسة"، يعني دون تسرع..لما بلغت الثلاثين من العمر أصبحت مستشاراً في البرلمان..أتذكر ذلك اليوم الذي لبسنا نفس الزي ونحن ننتظر افتتاح الدورة البرلمانية، سألني أحد النواب بالفرنسية، فقلت: "بالسياسة.."، بعدها تأكد "سيادة النائب" أنني غريب في هذا المحيط الغريب.. أُصفِّقُ مع المصفقين، أَحتجُّ مع المحتجين، أرفع صوتي بالصراخ حينما يرفعون عقيرتهم بالصياح، كنت أستمْتعُ كثيراً من الفُرجة التي يحدثها النواب من حين لآخر؛ كنت كلما تذكرت حادثة "طلق الريح" بشكل قوي حيث "غازاتي المسيلة للدموع" فرقت فريقاً حزبياً بالكامل وهم يؤففون بجانبي: "ما يحشامش هذا الجحش"؛ سمعتهم يقولون هذا وأنا أضحك في قرارة نفسي، بينما فريق حزب يغير مكانه، ويرحل إلى جهة أخرى، حيث المصور تحاشى التقاط الحدث..ضحكتُ كثيراً حينما أخبرني برلماني من نفس الحزب الذي أنتمي إليه، بعد أن توطّدت علاقتي به، أنه هو الآخر لا يبخل على "قصف" الجميع "بغازه" الرشاش.

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك