الرئيسية | آراء | زلازل الأفراح

زلازل الأفراح

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
زلازل الأفراح

   أظن أن فصل الصيف أجمل فصل لإقامة الأفراح– خاصة الأعراس-، حيث الشمس ترقرق في السماء، وحيث الأحباب في عطلة هنيئة مريئة، ثم كذلك فرصة ذهبية تجدها جاليتنا المقيمة بالخارج لإقامة الأعراس..في جملة، إنها مناسبة للالتقاء والتواصل: صلة الرحم، تبادل الزيارات، تفقد الفقراء واليتامى والمحتاجين..

  لا تجد حيا من أحياء المدينة إلا والخيام منصوبة على طول الشارع، شوارع مقطوعة، ممرات ضيقة تُركت للمارة، وهي تتحرج بالضيق الشديد، لكن مع ذلك تستلذ باختلاس نظرات إلى داخل "القيطون"، تشم رائحة اللحم وهو يُبَقْبِقُ في القدور الكبيرة، تتمنى إسكات قَرْقَرة بطنها بلُقيْمات لذيذة بِنَهَمِ ولَهَمٍ؛ للأسف فلا حظ لكم بالمرة ياأيها المارون مرَّ الكرام إلى جنْب دار الوليمة! فالمدعوون قد تم حصرهم بالدِّقَّة والدَّقيقة أسبوع قبل يوم "الدَّخْلة"، الجيران في المقام الثاني بعد العائلة، ثم يأتي بعد ذلك ذوي القربى وأقرب الأقربين الى العريس(أو العروسة). كل شيء جاهز بالتمام والكمال، الكراسي الوثيرة "الملكية بالخصوص" تنتظر من يملأها من الدعويين الكرام؛ من بعد العشاء، والوفود تُلبي الدعوة" أجِبْ من دعاك" تنطلق وعلى إيقاع الدفوف والأغاني الصاخبة إلى الحفل فرادى وجماعات، تستقبلها عائلة العريس (ة) بالحفاوة والترحاب بالتمر والحليب، بعدها يتحلقون عشرة عشرة حول المائدة، يُحملقون في الديكور والكرسي الجميل للعريس الأجمل، ينطلق الحفل بآيات بينات من الذكر الحكيم، وما تبقى من عمر الحفل فمتروك للمكبرات الصوتية لتزلزل القاعة وما حولها من الأزقة ب"الأغاني" التي لا يستسيغها أحد من الضيوف، بعضهم لا يجد غضاضة في مناقشة موضوع الديكور وأنواع الأفرشة وكذا الدِّقة التي بها تمت "كشْكَشَة الايزار" على طول "الخيمة"؛ وكأني وسط الضيوف، أتحسس أطرافي المصابة بالتنمُّل الحاد، أربع ساعات أو يزيد وأنت مربوع فوق الكرسي، تصاب حتى وإن كنت في صحة جيدة ب"الروماتيزم" البغيض، نعم، فإن كنت في شك مما أقول فاسأل الذين ضاقت بهم الدعوات..كلما مر العريس وسط "القاعة المغطاة" تسري همهمات مبهمة تجتاح أركان المكان، وتحتاج لتفسيرها إلى ضليع وخبير في تحليل مضمون الخطاب؛ وكلما هدأت ضوضاء المكبرات انطلقت "ثرثرة" الوفود، مناقشات لشتى المواضيع، حتى مأساة غزة غَزَتْ عُقر "القاعة" أو قعر المائدة المستديرة، فمنهم من استنكر هول المجزرة التي هزت المنطقة بالكامل، ومنهم من وجدها فرصة لطرح مأساة وضحايا الحريق الذي ضرب سوق "المغرب الكبير"، ومنهم من نبه الحضور بالزلزال "الحي" الذي زعزع مؤخرا منطقة الريف..

  قلت في نفسي وأنا مندس وسط الحضور، سأقوم اليوم بدور "المراقب" وأصغي لما يجري في هذا الحفل البهيج، دور ارتضيته لنفسي عن اقتناع وأنا أمتحن شخصيتي هل بإمكانها لعب دور الفضولي. الكل غارق في عب الكؤوس ولقم أنواع الحلويات المرصوصة فوق المائدة، بكل سخاء وأريحية يمر أبو العريس ليرحب للمرة المائة بالأقارب والأحباب، نحنحة من هناك، وغمغمة من هنا؛ حينما انتصف الليل، هجم النوم البعض وهم ينودون نودا، والبعض يحاول مقاومة الهجود برش الوجه رشات خفيفة "كالبخاخ"..لكن زلزال مكبرات الصوت يطرد من حين لآخر من خالطه الوسن، ويقض مضجع الجيران الذين هم على موعد مع العمل بكرة هذا الصباح، جيران بدل الاحتفال مع العريس والعرسان المجاورين، سهروا وملوا من الضجيج والضجر..وبالتالي فهم محتاجون لشهر كامل من العطلة، لكي يكتحلوا بدقائق من النوم..حفل بهذه المواصفات يصبح نقمة على الجميع، فهل يبارك الله في مثل هذه الحفلات المزلزلة؟ أم أنه - إن طال الأمد- على هذا التقليد سوف يدرج في شعبة من شعب الثقافة المحلية؟ سؤال يجد – حسب اعتقادي- جوابه في مضان الشريعة وكذا بين ثنايا تراث أهل البلد الأصلاء!! 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك