الرئيسية | آراء | مذكرة المناضل علال -1-

مذكرة المناضل علال -1-

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مذكرة المناضل علال -1-

("لما أحسست بالعمر يتقدم رويداً رويداً، عزمت على أن أحكي لابن عمي المتعلم الوحيد في أسرة آل علال، كل حكاياتي مع النضال، نصحته بأن يدون كل ما أمليه عليه، لكي أقدم لكل المهتمين عصارة حياتي التي، لا محالة، سوف يستفيد منها الخَلَفُ، وهذه المذكرات عبارة عن فلسفتي في الحياة، أو حياة مناضل ولج باب البرلمان من بابه الواسع ..، ولم أخرج منه إلا حين أصابني الخَرَفُ؛ وإليكم هذه المذكرات التي أتمنى من الله أن تكون نبراسا لنضالاتكم المستميتة..." )

    أحس علال أنه من اللباقة تقديم نفسه لقرائه الأعزاء: (.... إسمي علال بن محند، مسقط رأسي هضبة القرية المتاخمة للوادي؛ اختلفت الأسرة في اليوم وسنة الميلاد. أمي تتذكر، تلك الأوقات العصيبة، حين كانت تعاني من أوجاع الولادة، حيث النِّفاسُ أقعدها أرضا لزمن طويل، تذكّرتْ أن ليلة مولدي تزامنت وهجوم البحر على سبخة بوعارك، امتد الطوفان وغمر المنطقة بالكامل، جرف كل ما صادفه، حين سَكَنَ الموجُ وعاد البحر إلى حدوده الطبيعية، خلّف وراءه كارثتين: كارثةٌ تجسّدتْ في هلاك الحرث والنسل، وكارثةٌ أخرى تجلّت في أطنان الحوت والسمك الذي لفضه البحر على طول وعرض السبخة..استمتع السكان بجمع الحوت بعد أن حصد البحر جميع محاصيلهم الزراعية / لكن أبي شدّد على أن ليلة الميلاد اقترنت بحدث عظيم، حدث مازال يتذكره ولا يكاد ينساه.. في اليوم السابق لتلك الليلة السعيدة قصد أبي("الذي هو محند") مدير الفلاحة يشكوه تعسف السؤول عن تنظيم أوقات السقي؛ صمَّ المديرُ أذانه عن سماع شكوى أبي بل قام بطرده من الادارة، فما الحيلة؟ ما كان له إلا أن يبلع الغضة، ويشكو أمره لله، قفل راجعاً وفي نيته الانتقام بالمتسلط، بين الاقدام والاحجام، فكر في التضحية من أجل القبيلة وقطع رأس المدير، وبالتالي قطع دابر الفساد والرشوة. حل بالمنزل ظُهراً حدَّ السّكينَ، حسبت أمي أنه يستعدُّ لذبح الديك صاحب الصوت الرقيق، طمْأنَها، خرج لِلتّو وفي نيته العزم على تقديم رأس المدير كقربان للولي الصالح "سيدي علي البحر"، اقتحم على المدير المكتب، بعد أن ملأ الْقَبَّ بالحجارة، سلَّ الخنجر بنصْلِه الحادّ من تحت الجلباب، وضعه بقوة على عنق المدير قائلا: "لمّا منعتموني سقي حقُولي بالماء، سوف أسقيها، الآن، حتى تُروى بدمائك المالحة"، استعطفه، ترجاه أن لا يفعل، بقبضة يده حاول خنق المسؤول، عاهده المسؤولُ الأولُ عن الري، أن يكون دوماً في مقدمة لائحة المستفيدين من السقي ولو بالمجان. بعد أن أطلق سراحه، أطلق ساقيه للريح، وهو يُخمّن في مستقبل أولاده العشرة في حالة تعرضه للاعتقال.

   حين احتفلت الاسرة بالعقيقة، كان المديرُ في الموعد حيثُ أهدى إلى علال عجلا سميناً وكيساً من الفاصوليا، وما يقرب من قنطارين من الخضراوات؛ في ليلة الاحتفال اقترح المديرُ على الحضور أن يكون محند هو الناطق الرسمي باسم الفلاحين؛ صفَّق الجميعُ للمقترح، وفي معمعان التّصفيق قام أبي من مكانه وعانق المديرَ بحرارة حتى غشيته موجة من العرق البارد. هذا الحدث هو بمثابة الانطلاقة الحقيقية لنضال أسرة آل علال؛ حينها أحس محند وهو مزهو بهذا المنصب "غير الرسمي". بعد أسبوع من هذا "التنصيب" أمره المدير بتحسيس الفلاحين بالزيادة المرتقبة التي سوف تمُسّ ماء السقي؛ قام بالمهمة كما ينبغي، رغبة ورهبة، ظل أبي على هذا الحال يستفيدُ من ماء السقي بالمجان؛ كبرت قبيلة آل علال، لذلك قدمه المدير إلى الساكنة ليصبح مرشحهم في مستقبل الأيام.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك