الرئيسية | آراء | الفصحى و العامية : صراع مفتعل

الفصحى و العامية : صراع مفتعل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفصحى و العامية : صراع مفتعل

اللغة الفصحى أو اللغة الراشدة تنبني على قواعد نحوية و نسق لغوي منسجم ابتكاري و متطور و منفتح مما يعطيها القدرة على استيعاب الظواهر النفسية و الروحية و المادية تسمح للعقل رسم مفاهيم فكرية نظرية و علية شاملة. خلافا لذا اللغات البدائية أو اللهجات لا تنفلت من نطاقها الحسي عبر تعبير قاصر  لا يرتقي بعد للمستوى الذي يؤهلها لتكون لغة الحضارة و الثقافة و العلوم . اللغات الفصحى لا ترتقي لمستوى الكينونة بقدرة قادر أو بشكل ارادي و اغتباطي كما يظهر للبعض. هناك صيرورة تاريخية  طويلة و معقدة يخللها مد و جز ع و صراعات يضل الحاسم فيها قدرة اللغات الفصحى انتاج ثقافة رائقة و  جمالية تعبيرية  عالية عبر أسلوب سلس و سهل المنال . مقارنة مع اللغات الكونية الراشدة المهيمنة عبر التاريخ و في حاضرنا لراهن ، أمك القول أن اللغة العربية أدق شكلا و أبسط تعبيرا و أعمق تفكيرا. فهي خلافا لباقي اللغات لها القدرة على احتواء كل الألفاظ فنية كانت ، فلسفية أو تقنية ، لأنها خلافا لباقي اللغات الراشدة أو الفصحى الأخرى عرفت عند التدوين ، أي لما ارتقت من لغة خاصة  بمنطقة و قوم معينين الى لغة حضارية كونية تخص عموم البشر ، حيث تأخذ من ثقافتهم و تلقحهم بثقافتها بشكل فعال ، وضع لها النحويون علما من أروع وأبدع العلوم. ألأمر الذي لا نجده عند اللغة الصينية الفصحى مثلا رغم قدمها و التى كانت في البداية خاصة برجال الذين  لتصبح رغم تعقيدها و رغم وجود المئات من اللهجات الى جانبها فان لا أحد يجرأ وضعها في قفص الاتهام كما يحلو للبعض اتجاه اللغة العربية . فاللغة الصينية " الماندران" ، لم يتهمها أحد بالعقم و أنها السبب في تقهقر الحضارة الصينية لعدة قرون . بل تشبثت الشعوب الصينية العديدة  بالكنز الثمين الذي هو لغتهم الفصحى التي حافظت على تراثهم و ثقافتهم و حصانتهم من الاستلاب الفكري و الضياع الحضاري. و اللغة الهندية " الهندي " نفسها معقدة و صعبة المنال ، لكن شعوب بلاد الهند  رغم استعمالهم للانجليزية و وجود المئات من اللهجات يحتفظون باعتزاز  و أنفة بلغة حضارتهم ، لأنها الاسمنت في بناء نفسيتهم و النسغ الثمين للحفاظ على كيانهم الثقافي

و قريبا منا اللغات الحية الحديثة من انجليزية و فرنسية و اسبانية. فقواعدهم اللغوية رغم حداثتها أكثر تعقيدا من اللغة العربية ، و اسلوبها أقل سلاسة و فصاحة و غنى من العربية.  ثم ان هذه اللغات الحية لم تكن  في البداية من نتاج و ابتكار البلدان التي تسود فيها. فالفرنسية ، هي لغة فبائل جرمانية هجرت لشمال فرنسا بداية القرن الوسيط لتكون لغة الدولة الناشئة . و لا أحد نسمعه يتهمها أنها لغة دخيلة على الشعوب التي كونت الأمة الفرنسية، لأن أصلها جرماني. و نفس الأمر بالنسبة لللغة الانجليزية التي هي في البداية خليط من الدنمركية القديمة و لهجة منطقة انجلترا أحدى الشعوب المكونة للأمة البريطانية . هذا دون الحديث عن البلدان التي تبنت الانجليزية .  لا أحد يطالب بتعويضها لأنها ليست انتاج محلي .   و نفس الأمر يسري على الاسبانية ، لغة منطقة الكاستيان و التي تعممت .  كل هذه اللغات لم تعمم الا خلال القرن العشرين حين تم تعميم التعليم و  رقيه ، ثم تطورها عبر الوسائل  المكتوبة و السمعية البصرية ، فتطورت بذا لغة الشارع التي هي اللهجات العامية ، و التي لم تلجأ الى الحل السحري الذي يدعون اليه البعض لمقاومة لغتنا الراشدة  لتجاوز الوضع الاجتماعي الفظيع و سيادة الاستبداد و تدهور كل المؤسسات و في مقدمتها التعليم و الصحة و الشغل و السكن اللائق .

توضيح

لما نتكلم عن اللغة العربية ، اللغة الفصحى الراشدة ، هذا لا يعني أننا نقصد لغة الأعراب البدو بالجزية العربية . ان لفظة اللغة العربية مثلها مثل اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الاسبانية كما أشرنا اليه . لا علاقة لها بأي عرق بشري  أو سكان بقعة معينة ، و ان ادعى داع ذلك . اللغة العربية الفصحى هي نتاج لامتزاج لغات و حضارات تاريخية عظيمة كالفارسية  و البابلية و الأشورية و الفرعونية و الكردية و  الأمازيغية و العبرية و النصرانية و الافريقة و الأندلسية و أالأسيوية ...فواضعو قواعد النحو و مجمل العلوم التي نتجت عن عصر التدوين لا يوجد من بينهم سوى القليل الناذر من سكان الجزية العربية

 ووجهت العربية الفصحى منذ عهد التدوين ، و كل مرة يكون المدافعين عنها غير بدو الجزيرة. ضد شعوبية عهد التدوين قام علماء النحو و الفقه و الفلسفة و كلهم اما فرس أو سكان ما بين الرافضين أو الشام – سوريا فلسطين و الأردن حاليا – و أرض الكنانة و طبعا بلاد المغرب – تونس ، الجزائر ، المغرب الأقصى و الأندلس - . لا ننسى دور ألإمبراطوريات الأمازغية  المرابطية و الموحدينة و المرنيينة في نشر اللغة العربية الفصحى و  تعليمها و الحفاظ على منتوجها . لماذا تم الدفاع عن اللغة الفصحى في الشرق و الغرب منذ البداية و من أقوام خارج بدو الجزيرة ؟ لأنهم مثل من يتبني الانجليزية أو الفرنسية  أو غيرهما من اللغات الراشدة ، كانوا يرون فيها السلاح الذي ما بعده سلاح لبناء صرح الكيان الحضاري و الثقافي الذي يتماشى وكيانهم الحضاري و الثقافي . و هو الذي حصل رغم مرحلة الاحباط و الانحطاط الذي عرفته الثقافة العربية  خلال فترة طويلة . فكانت النهضة الموفقة خلال القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين لتستمر عبر النهوض الثقافي و الفني خلال القرن العشرين ،تمخض عنه نهضة سياسية تحررية بقيادة التيار الوطني القومي و التقدمي اليساري. أن هذه النهضة الأخيرة هي التي أدت الى استقلال البلدان العربية و سيادة الاتجاه القومي و اليساري . مماأزعج قوى الردة و التبعية الى جانب الامبريالية و الصهيونية و الرجعية المحلية . فلا غرابة أن نسجل أنه قبل حرب الابادة بزعامة أمريكا للعراق كمدخل لتفتيت الأنظمة الوطنية و اليسار ، سبقتها ما سمي بحرب الثقافات . حيث تم الزعم أن الحضارة العربية لا تساير الحداثة و  الديمقراطية و أن هناك تعارض بين الثقافة الغربية و ما سموه بالإسلام.  الهدف كان طبعا ايقاف الثورة الثقافية بزعامة القوى الوطنية و القومية و اليسارية التي سادت مند الخمسينات في المجتمعات العربية لحد أصبح الشارع العربي يتنفس نفس الهواء التحرري و الوحدوى و الوثاق دخول الحداثة من بابها الواسع . كان لا بد من جعل حد لهذه الثورة الثقافية الناشئة لأن عبرها ستتم وحدة الشعوب العربية و الديمقراطية. و الوحدة المصيرية لذه الشعوب في عصر التكتلات الكبيرة مسألة عيش أو ذوبان و منه التبعية و الانحلال ..

لماذا صراع مفتعل ؟

ذلك أن اللغة الدارجة التي يدعو لها البعض كحل لمشاكلنا الاجتماعية و السياسية و الثقافية هو ضرب من التلفيق و خلق الفرقة و التفرقة أكثر من حلها. انهم كالساحر يوهمك بشيء كأنه حقيقة و ما هو إلا وهم و سراب . هذا زيادة على الخلفية الشعوبية و  الشعبوية التي تخاطب العواطف الآنية لتبرير مشروع تذويب الهوية الوطنية الأصلية و القومية الرفيعة و الكونية التي تدعو اليها اللغة الفصحىن سلاح التحرر و السيادة و المصير. و لرفع ملابسات دعاة اعتماد العامية للتدريس و التدوين ن نوضح الأمور التالية :

أولا ، الدارجة هي عربية الشارع و هي بذا لغة عامية للتداول ، تتغير حسب لهجات المناطق و حسب عادات الناس في أماكن تواجدهم . فلهجة أو دارجة المواطن الصحراوى تختلف عن دراجة المواطن الدكالي أو الشمالي . و اللهجة الفاسية غير المراكشية أو البيضاوية . و زن على مثل هذه الأمثلة ما شأت و زد  ليظهر لك هراء ما يدعوا الية أصحاب أعجوبة تعويض اللغة الأم التى هي الفصحى بعشرات اللهجات المتفرعين عنها . أن وجود اللهجات و تعددها شرقا و غربا للبلدان التي تتبنى اللغة العربية هو بالضبط عنوان مثانة و قوة اللغة الفصحى التي تشكل الرابط الثقافي بين مجموع الأعضاء للكيان الحضاري الواحد

ثانيا ، الأمازيغية ليست كالدارجات الموجودة في البلاد و التي أصلها العربية . الأمازيغية لغة لها نطقها الخاص و أبجديتها الخاصة و لا تطرح نفسها نقيضا للعربية ، بل تأتي كعضد و كدعامة لها . فمن نشر العربية في بلدان الغرب العربي عبر التاريخ كما أشرت ، هم أمازيغ . و  في سدة أعلام التراث الثقافي العربي  بالمغرب هم أمازيغ .. و من وقف ضد الظهير البربري المشؤوم ، في مقدمتهم أمازيغ . اذن لا نقيس شيئا على غير مثيله 

ثالتا ، لو أن المشكل مشكل اللغة العربية قلنا آمين للمتطاولين على العلم و المعرفة . لكن العيب عيبهم و عيب من دفع البلاد و العباد الى مستوى التخلف و التبعية . أما اللغة العربية فبريئة كل البراءة مما يدعون. هي لغة الكمال و الجمال ، لغة المجد و نخوته ، لما يكون للمجد ناسه. و لغة الحضارة و النضارة لما يعمم التعليم الجيد و لما يقوم المثقفون  قومة رجل واحد لا تردد للخوض الجدال و المباهلة و المناظرة و الابداع في كل المياديندفاعا عن لغتهم الفصحى القابلة للتطور بشكل مدهل 

رابعا ، لو كان ما يقدم كبديل في المستوى لما بين أيدينا لقلنا أهلا و سهل لأننا لا نريد سوى الصلاح و الفلاح. لكن أن يبيعوا القرد و يضحكوا عمن اشتراه نقول لا  يا سادة الفساد و الفتنة ، دعونا و  بضاعتكم الراشية عندكم . نعم للهجات العامية  و التي مع التطور الاجتماعي و الثقافي الرصين ستقترب من الفصحى لحد الذوبان فيها 

ختاما

نحن بحاجة لثورة ثقافية جديدة و هي مسؤولية كل الرواد و المثقفين و المبدعين و في مقدمتهم مربي الأجيال الصاعدة. كيف يتم ذلك أمام التقهقر الذي تعرفه الشعوب التي تتبنى العربية ؟ خلال المد السبعيني كان الشعار المتداول " على قدر أهل العزم تأتي العزائم ". العزيمة تفرض ثورة ثقافية كمدل للتغيير المجتمعي

كما يقال الشعر ديوان اللغة العربية و ليس أصدق ما قاله حافظ ابراهيم العربي ، نسبة الى الحضارة و الثقافة العربية و ليس الى بدو الجزيرة :

فلا تكيلوني للزمان فإنني       أخاف عليكم أن تحين وفاتي

قال رائعته دفاعا عن اللغة العربية ذريعة للهوية الوطنية ،  لمواجهة الاستلاب الثقافي الذي بدأ المستعمر البريطاني يفرضه على مصر

محمد المباركي

 شتنبر 2018

 


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك