الرئيسية | آراء | بين الحجر الأخلاقي والحجر السياسي

بين الحجر الأخلاقي والحجر السياسي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بين الحجر الأخلاقي والحجر السياسي

اثار حادث اعتقال شابتين بمدينة انزكان، على خلفية كونهما لبستا لباساً غير محتشم، الكثير من المتابعة والتفاعل على صفحات المواقع الاجتماعية، وعلى صفحات وسائل الاعلام. قصة الحادث تعود الى قبل اسبوعين (قبل رمضان)، حيث كانتا شابتان طالبتان في معهد للحلاقة تهمّان بالتسوق وهن يرتدين تنورات قصيرة شيئا ما، وهو في الحقيقة لباس مألوف تعج به شوارع مدننا، وحدث أن اشخاصاً هاجموا الشابتين بكونهما تقومان باستفزاز الرجال بلباسهن “الفاضح”، فتدخلت عناصر امنية وقامت باعتقال الشابتين فيما يبدو كما لو انها محاولة لتخليصهن ممن هاجموهن، غير انه سيبدو فيما بعد أن الشابتين أُحتفظا بهما 24 ساعة على سبيل التحقيق، ثم تمّ اطلاق سراحهما من بعد مع متابعتها بتهمة الاخلال بالحياء العام، حيث سيتم تقديمهما للمحاكمة أمام المحكمة الابتدائية بأكادير يوم 06 يوليوز . وهو القرار الذي خلق قدرا غير يسير من علامات الاستفهام، لكون مثل هذا اللباس منتشر في كل مدن المغرب، ولكون توقيف الناس في الشارع على خلفية الملابس التي يرتدونها يشكل تهديد خطير للحرية الشخصية، ويجعل الامر أقرب الى شرعنة شرطة الاداب او الحسبة، تلك التي تمسك بالكرباج في يدها وتهش على الناش، تعلّمهم كيف يمشون وكيف ينظرون وكيف يضحكون وكيف يلبسون..
إن منع الفتيات من لبس التنانير هو اعتداء على الحرية الشخصية، ومحاولة خوصصة الفضاء العام، لذلك لا يمكن القبول به، وضروري من ادانته والعمل على القطع مع هذا السلوك، لكن ايضا دون السقوط في التجزيء ومنطق التفاضل، فمنع ارتداء التنانير هو اعتداء على الحرية الشخصية، كما أن منع الحاقد من الغناء هو اعتداء على حرية التعبير، ومحاولة من النظام لخوصصة الفضاء العام وجعله مجالا محتكرا لنفسه فقط، يروج فيه ايديولوجيته كما يشاء، ومنع الشيعة هو اعتداء على حرية المعتقد، ومحاولة من النظام لتأسيس مجتمع يدين باله واحد ودين واحد ومذهب واحد وعقيدة واحدة، وفي هذا محاولة لخلق مواطنين مسلوبي الارادة والاختيار، مواطنين يكونون منذ البدء محدد لهم: بماذا سيؤمنون وكيف سيعبرون، وكيف سيلبسون كيف سيأكلون..أي السعي نحو خلق “المواطن النمطي”، أو ما يطلح عليه في الادبيات المخزنية بالمواطن الصالح.
أمام هذا الوضع يُطرح السؤال: كيف يجب التعامل مع هذه المواقف؟
إن تصعيد قضية التنانير، وجعلها بوصفها قضية اساس، وفي المقابل التعامل مع منع حرية التعبير بنوع من المراوحة، والتغاظي عن حرية المعتقد، يجعل الصراع يخضع للتمويه، ويمحي حدود الاصطفاف السياسي والاجتماعي بناءً على معادلات سياسية واقتصادية واضحة.

فجعل قضية التنانير قضية مكتفية بذاتها ومستقلة عن باقي القضايا تجعلنا نسقط فيما يريده هذا النظام نفسه، الذي يتقن حبك المفارقات من أجل اسقاط من يُفترض فيه أنه يعارض اختيارته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ كيف يمكن فهم كون هذا النظام الذي يعتقل الشابتين بدعوى ارتداء لباس فاضح، هو نفسه من استقدم جينفر لوبيز بتبانها (وليس التنورة)، وعدم الاكتفاء بعرض افخاذ لوبيز على انظار الجمهور المباشر، بل كان هناك اصرار على ايصال هذه الافخاذ الى كل قرية ومنزل وكل فج عميق، من خلال نقل سهرتها مباشرة على القناة الثانية، فكيف يعقل أن تُعتقل فتاتين وهن بلباس عادي، بينما يتم الاعتناء بلوبيز وهي بلباس غير عادي؟ كيف يمكن اقناع الناس أن المحرك والداعي لاعتقال الشابتين هو صون غرائز الرجال التي استفزتها نصف افخاذ الشابيتين، بينما لم يصن الرجال والاطفال والشيوخ من افخاذ جينفر الكاملة؟ كما أن تحرك الشابتين كان في فضاء محدود، في سوق، بمدينة مغربية، لا يتعدى الذين هم في تماس مباشر مع الحادث حوالي 50 او مائة نفر، بينما افخاذ لوبيز كانت أمام عشرات الالاف من المتفرجين المباشرين، ومئات الالاف من المشاهدين؟ فهل يمكن لنا تصديق حكاية حماية غرائز الرجال من استفزاز الافخاذ العارية؟

إن الدفاع عن الحرية الشخصية بالنسبة إليّ يعد الف باء النضال من أجل مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لكن قد يتحول غير ذلك حينما يكون هناك اصرار على رفع هذه المعركة إلى مصاف أم المعارك، والقضية التي تدافع عنها يتم جعلها أم القضايا، بل لابد من رؤية شمولية تنفلت من مبضع التجزيء، الدفاع عن الحرية كلّ لا يتجزأ، الدفاع عن حرية اللباس لا يستقيم دون الدفاع عن حرية التعبير وحرية الاعتقاد والحرية السياسية … لأن بغير هذا سنجد انفسنا حبيسي معادلات خاطئة تجعل الصراع يخضع للتمويه والاعوجاج، فمثلا لو كان نضالنا سيقتصر على قضية التنورات وفق منطق تجزيئي، حينئذ يمكن ان تجد الى جانبك تعبيرات سياسية هي حاضنة للاستبداد ومصفقة لقمع حرية التعبير والعقيدة، لكن عندما تطرح قضية الحرية بكل تشعباتها انذاك سيظهر الطريق واضح وسالك، لأن الكثير من مناضلي التنانير القصيرة لا يمكن لهم أن يدافعوا عن حق الحاقد في الغناء، لا يمكن أن يدافعوا عن حق الشيعة ان يجهروا بمذهبهم دون ملاحقة، ومن حق غير المتدين أن يكون كما يريد لنفسه أن يكون لا كما تحدد له الدولة سلفاً.

لا أستسيغ أن أناضل دفاعاً عن الحرية الشخصية وحق اختيار اللباس الذي أراه لائقا بي، بينما لا أحرّك ساكناً حول انتهاك حرية التعبير وقمع صوت مغني شاب يعبّر بأغانيه عن اختياراته واختيارات جمهوره. وعبثا سيحاول البعض التهويل من قضية التنانير لكونها مدخلاً لحماية المجتمع من “الدعشوشة”، ولكون أن الفتاتين لم تكن مشكلتهما اساساً مع الدولة بل مع المجتمع وتدخل الدولة كان لاحقاً، بالنسبة إليّ الذي حدث هو العكس؛ كان على الدولة أن تتدخل لحماية الحرية الشخصية وليس اعتقال الفتاتين، وتدخلها لاعتقال الشابتين هو تشجيع منها لمثل هذا الفكر ولمثل هذه التصرفات، المجتمع من طبيعته أن تخترقه مثل هذه السلوكيات، فكما هناك من يحاول ان يمارس الحجر الاخلاقي على الناس هناك ايضا من يسرق ممتلكات الناس، هناك من يعتدي على الناس… والدولة اصلا هي موجودة لتضمن حماية افراد المجتمع وممتلكاتهم لا تشجيع هذه السلوكيات المتطاولة على حرية الناس.

بالنسبة إليّ مثل هذه المبررات هي التي أراد النظام أن يرسخها في أذهاننا حين استضاف افخاذ لوبيز كاملة العري، وفي المقابل اعتقل افخاذ الشابتين نصف العارية. هو حداثي على توقيت افخاذ لوبيز، ومحافظ جدا على توقيت 10 اشخاص في سوق بانزكان؟

نعم، يشرفني أن اقاتل واناضل من أجل الحرية الشخصية وحرية العقيدة وحرية التعبير والكرامة والعدالة الاجتماعية، وأرفض الحجر الاجتماعي والسياسي والديني والاخلاقي، بيد أنه لا يمكن لي أن أقف في صف واحد مع أشخاص يرفضون الحِجْر الاخلاقي لكنهم يعملون على تأبيد وترسيخ الحِجْر السياسي، بل هم جزء منه.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك