الرئيسية | حوارات | حوار مع الأديب المغربي عبد الواحد العرجوني أجراه مع الشاعر رشيد العالم‎

حوار مع الأديب المغربي عبد الواحد العرجوني أجراه مع الشاعر رشيد العالم‎

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حوار مع الأديب المغربي عبد الواحد العرجوني أجراه مع الشاعر رشيد العالم‎

أستاذ عبد الواحد العرجوني أنت بصدد القيام بعمل ضخم رفقة السيد يحيى عمراني يتمثل في إعداد معجم لأدباء مدينتي الناظور والدريوش، ما هو الهدف من هذا المعجم ؟ وما سياقه ؟ هل المشهد الثقافي المحلي الذي ينم عن تحولات بارزة هو ما جعل من إعداد هذا المعجم مهمة ضرورية وملحة ؟

 

= بسم الله الرحمان الرحيم. في البدء أحييك أخي الفاضل القاص السيد رشيد العالم تحية محبة وطيبة صادقين.

 

      يدخل العمل الذي نقوم به؛ العبد الفقير إلى رحمة الله وعفوه وأخي الفاضل السيد يحيى عمراني، ضمن ما عرف في تراثنا التوثيقي بعلم  الفهرسة والذي اتخذ أشكالا متعددة، ويطلق على هذا العلم حديثا البيبليوغرافيا، وضمنه أيضا يمكن إدراج وضع المعاجم والتراجم التي تقصد إلى التعريف بالأعلام ومساهماتهم في شتى المجالات، والمشيحات، والبرامج، وغيرها من الأسماء التي يزخر بها التراث العربي بعامة  والتراث المغربي بخاصة. ويهدف، إن شاء الله، إلى التوثيق لأدب المنطقة؛ أي لإقليمي؛ الناظور والدريوش، والتعريف بأدبائهما ومساهماتهم في مجال محدد هو الإبداع الأدبي إنتاجا ونقدا. وأصرح اعترافا، بأن الموضوع كان من اقتراح الصديق يحيى عمراني مشكورا، وبالمناسبة، في إطار الاعتراف دائما، أشير إلى أن اهتمامنا بالموضوع يدخل في صميم تخصصنا لانتمائنا معا إلى وحدة البحث والتكوين "بيبليوغرافيا الأدب المغربي الحديث" التي أسسها الأستاذ الدكتور محمد قاسمي، دام له الشكر موفورا، بكلية الآداب جامعة محمد الأول  بوجدة عام ثلاثة وألفين، وهو أيضا استمرار للمجهودات والأعمال التي أنجزت في إطارها والتي لا يسع المجال لذكرها هنا.

 

     ولا شك أن دافعا آخر كان وراء التفكير في الأمر، وهو هذه الحركية التي تعرفها المنطقة، وعدد الكتاب المتزايد، والأنشطة التي تقيمها مجموعة من الجمعيات والمقاهي الأدبية، والإصدارات التي تلفظها المطابع لأبنائها الذين ينتمون إليها بالولادة أو بالإقامة، استرشادا، بصيغة ما، بمبدأ كان قد اتخذه ابن بسام الشنتيريني الأندلسي (ت.542هـ) ضابطا في مؤلفه المسمى "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة". ولا يفوتني أن أشير إلى الأهمية التي تكتسيها  التراجم والمعاجم وتوثيق الإبداع الأدبي، ولو لا جهود السابقين في هذا الميدان لما تعرفنا على عناوين مصنفات كثيرة ضاعت فيما ضاع من تراثنا لسبب من الأسباب، ويكفينا في هذا الأمر، على سبيل التمثيل، كتاب "الفهرست" لابن النديم (ت. 380 هـ).   

 

ما هي الإضافة التي قد يشكلها هذا المعجم، وما هي القيمة النوعية التي سيقدمها ؟

 

    يعود الفضل في تعرفنا على كثير مما أبدعته الحضارة الإنسانية، إلى توثيق هذا التراث، ويعود الوعي بهذا الأمر إلى أقدم هذه الحضارات، وعلى سبيل الإشارة، فأقدم عمل عرف من هذا النوع يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد، وهو فهرس مكتبة "آشور بانيبال" الذي كتب على ألواح من الطين، ولولاه لما عرفنا شيئا عن هذه المكتبة أصلا ولا على ما احتوت عليه من مؤلفات. وعموما يمكن القول، بأن توثيق الإنتاج الفكري،  يمكننا من تتبع تطوره ورصده والتأريخ له، وبالتالي وصفه ودراسته. فلا تقاس قوة الأمم بمدى امتلاكها العتاد الحربي فقط، كما يقول أحمد زيادي، وغنما تقاس أيضا بمدى قدرتها على الإنتاج الفكري والإبداعي والفني، وهذه هي مقاييس الحضارة والخلود.

 

     ومن جهة أخرى، فإن ما يمكن أن يضيفه هذا المنجز، إن شاء الله، يكمن في تهيئ الأرضية للدارسين والباحثين، في تعرف مصادر دراساتهم وأبحاثهم ومراجعها بالنسبة للمنطقة، والتعريف بأدبائها ومساهمتهم في الإنتاج الفكري والأدبي الوطني.

 

 

     في  مهرجان " القصة القصيرة جدا" للسنة الماضية التي حملت دورته الثالثة اسمك " دورة عبد الواحد العرجوني " سمعنا  شعارا ما فتئ  منظمو المهرجان يرددونه وهو " الناظور عاصمة القصة القصيرة جدا ً" هل ترى حقا أن مدينة الناظور أصبحت عاصمة للقصة القصيرة جدا  

 

      في الحقيقة ساهمت جمعية جسور، بالإضافة إلى الهيئات والمؤسسات الداعمة، بتنظيمها للمهرجان السنوي للقصة القصيرة جدا بمدينة الناظور، في تنشيط الحركة الثقافية بالمدينة، وجعلتها حقا عاصمة ليس للقصة القصيرة فقط، بل عاصمة للثقافة العربية، من خلال حضور كتاب من مختلف الأقطار العربية وكتاباتهم إبداعا ونقدا، والوطنية (عربية وأمازيغية)، بل وكانت هناك مشاركات بلغات أخرى، حتى لا يؤاخذ على الجمعية أي إهمال أو تقصير من هذا الجانب، وأنا بدوري، ألقيت قصصا بالأمازيغية خلال الدورتين الأخيرتين، وبلغ الأمر بهذه الجمعية، مشكورة، وأقصد مكتبها المسير الذي يتكون من أسماء وازنة على الصعيد العربي،  إلى طبع عدد من المجموعات القصصية لأدباء شباب وآخرين بلغوا شأوا يستحق الالتفات  في هذا الشأن، ولا حاجة لذكر الأسماء، بالإضافة إلى التعريف بهم وبأدباء المدينة والمنطقة وأديباتها، من خلال مطبوعاتها ومنشوراتها خلال المهرجان أو قبله أو بعده، وهي بذلك تستحق التنويه والتشجيع والدعم، ولا يفتأ المكتب المسير للجمعية يعمل من أجل تطوير هذا المهرجان، نتمنى له التوفيق.

 

     بالنسبة للمهرجان الثالث الذي حمل اسم العبد الضعيف، فإني أجد نفسي عاجزا للتعبير عن شكري للإخوة على هذه المبادرة، ومهما قلت فإني لن أوفيهم ولو قسطا بسيطا من العرفان الذي يستحقونه، ولا تشوب هذا الاعتراف أي شائبة من رياء، أو رغبة ما تخرج عن حقيقة أن الأهم هو خدمة ثقافة المدينة والمنطقة والتعريف بها، ويدخل هذا في صميم خدمة الوطن. فالهَمُّ ليس هَـمُّ الأسماء، بل ما هو أعم وأشمل، وأرقى. ومن زاوية نظري الخاصة، أدعو إلى تشجيع الشباب على نشر إبداعاتهم، رغم الدعم، النفسي والمعنوي، الذي يمكن أن يشكله ذلك، بالنسبة للجميع، في ظل الظروف المعيشة، وظروف الطبع والنشر التي لا تشجع على النشر أصلا فما بالك بالاستمرار، باعتبار الكتاب ، بصراحة، تجارته؛ ليس بالمفهوم الربحي طبعا، بائرة.      

 

 

    بصفتك مهتما بالتاريخ والأدب والفكر، تاريخ المنطقة يعاني من التهميش ومن إقصاء ممنهج على حد قول بعض الباحثين في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ، حيث أن منطقة الريف وشمال المغرب، لم تُعْطَ الحق الكافي من عملية التأريخ للأحداث التي عايشتها هذه المنطقة على مر السنين، فالأوربيون  كتبوا عن الريف ورموزه وأعلامه أكثر مما كتب أبناء المنطقة أنفسهم، هل يعزي ذلك إلى أن مثقفي الريف، يجهلون تاريخهم؟ أم أنهم اكتفوا بما احتوته المراجع الأوروبية عن تاريخهم، أم أن المنطقة لا تتوفر على مؤرخين وأستاذة باحثين أكفاء ؟

 

     أحيانا، أكاد أصدق ما كان يشاع بأن المغاربة لا يكتبون عن أنفسهم، وهذا الأمر يكاد ينسحب على مجال التاريخ، وإذا كان لأحد أن يتحمل المسؤولية في هذا الأمر، وفي الوقت الحالي على الأقل، فإن للمعهد الملكي القسط الأوفر، بالإضافة إلى المؤسسات الجامعية (الكلية المتعددة التخصصات تفتقر إلى التخصصات). نعم هناك مجهودات وإبداعات وأبحاث قام المعهد الملكي بنشرها، وهذه من حسناته التي لا يمكن لأحد نكرانها، وهناك أيضا جوائز في شتى المجالات، وهذا مهم جدا لو أمكن إعادة النظر في بعض المعايير، وطرق التحكيم، إن صح القول في الجوائز، وطبع المؤلفات التي يتقدم بها أصحابها، وحتى أثمنة الكتب التي ينشرها المعهد يمكن القول، بأنها في متناول الجميع، بل إن الكثير منها يعطى بالمجان في عين المكان، وهذا يدخل ضمن الأهداف التي وضع أصلا من أجل تحقيقها، ولا يحق لأحد من الذين ينتسبون إليه أن يفتخر بذلك أو يعيب على غيره تقصيرا ما. ومن جهة أخرى، كان بإمكان المعهد، ولو بميزانيته الحالية أن يقوم بخطوات أخرى أكثر جرأة، وهي تكوين فرق بحث في شتى المجالات، تقوم بتدوين التراث الشفهي الشعري والنثري السائر إلى الزوال، ووضع معجم للغة الأمازيغية بالريف بجمع لغات القبائل ومفرداتها، وبخاصة من البوادي التي يعتبر أهلها أفصح من أهل المدن لكثرة الدخيل على لغات هؤلاء، بغاية الإغناء، والأمر أيضا أقصد اللغة سائرة بدورها إلى الزوال لأسباب معروفة لا حاجة لذكرها، وربما كان لنا في طرق جمع اللغة العربية في عصر التدوين، نموذجا يمكن الاحتذاء به.

 

    في مجال التاريخ - أقصد تاريخ المنطقة (الريف)- تقتصر الأبحاث المنجزة على المكتوب؛ مطبوعا كان أم مخطوطا، مكتوبا بالعربية أم بلغات أخرى لمغاربة أو أجانب، وهناك أبحاث تعطي اعتبارا للشفهي، الذي لا يمكن الركون إلى نتائجه دائما لأسباب يعرفها المهتمون، منها أنه لا يمكن اعتمادها في دراسة مراحل تاريخية متقدمة، ولا تكون الاستعانة به إلا لدعم المكتوب نفسه، أو لدعم الأبحاث الأثرية، وهذه الأخيرة أو علم الآثار (L’archéologie) هو ما نفتقد إليه، إلا فيما ندر ويكون الباحثون في الغالب أجانب يرافقهم بعض المغاربة. في تاريخنا المكتوب فراغات كثيرة تنتظر من يملؤها.  ما هي الأعمال التي أنجزت تحت إشراف المعهد الملكي؟ هل هناك بيبليوغرافيات تعرف بهذه الأعمال؟ في مجالات أخرى نعم أعد المعهد مجموعة من الأعمال تدخل في هذا الإطار، وإن كانت هناك فبأية لغة كتبت؟ هناك آثار في طريق الاندراس، ولا من يهتم بها (ثازوضا، قصبة سلوان، قصبة أزغنغان وهي حديثة نسبيا، وما يسمى بالريكولاريس، وغيرها) وهناك احتمال وجود مدن مطمورة في أماكن عدة منها ؛ أركمان (مدينة مشوشة، بحسب حسن الفكيكي)، مرفأ غساسة، ومدينة أخرى قريبة منه، وغيرها من المآثر العمرانية المندرسة.

 

سؤال سبق وأن طرحته ولازلت أطرحه على المهتمين بالشأن الثقافي، بعد النكبة ظهر تيار شعري ثار على القوالب الكلاسيكية والتقليدية التي ورثها من الشعر العربي القديم، وبعد النكسة أيضا برز تيار موازاة مع تيار ما بعد النكبة، تأثر بتيارات الشعر الغربي،  وتمحور خطابه حول الذات، والطبيعة، والتمرد، وجدلية الحياة والموت...إلخ، بعد كل ما شهده الوطن العربي من ثورات ثارت فيها الشعوب والجماهير ضد حكامها، ما الذي تغير  في الشعر وفي نفسية الشاعر؟ هل أنجبت هذه الثورات العربية تيارا شعريا قد نطلق عليه في ما بعد " جيل ما بعد  الثورات العربية "  ؟

 

   هناك أسماء برزت وبخاصة في مصر. لكن ما يمكن قوله عن هذه الثورة، إن كان من الأمر بد، أنها ثورة لم تكتمل، أو لم تتضح معالمها بعد، كما أنها لم تشمل كل الأقطار، بالإضافة إلى  صعوبة القول بها أصلا، وإن كان الأمر طبيعيا وقد علمنا التاريخ ذلك، وكان المثال دائما هو الثورة الفرنسية. إلا أن القضية بالنسبة للأقطار العربية والإسلامية، هو هذا التدخل الخارجي الغربي، بصفة مباشرة أم بالنيابة، والذي يعمل بكل ما أوتي من قوة وأجهزة، بل وحتى أسلحة، للحؤول دون نجاحها، لأنها لا تخدم مصالحه، ولا تخدم وجود إسرائيل في المنطقة، فالدول الغربية، لا ولن تدخر جهدا من أجل إجهاضها أو تحويلها عن أهدافها، أو زرع كيانات مضادة، والأمثلة، وحتى النتائج ظاهرة للعيان. هذا بحسب رأيي الشخصي الخاص. ولا يمكن لهذا إلا أن ينتج أدبا. وما الأدب، وبخاصة الشعر، إن لم يعبر عن أحلام وآمال القوم، وما يشغل الشاعر، هذا الشاعر الذي لن يكون إلا معبرا وناطقا ولسانا لحال قومه. وربما ظهرت تيارات ستتبلور ملامحها في المستقبل.

 

 

   وهل تغير خطاب المثقف العربي  بعد هذه " الثورات العربية  " أم لا يزال على ما هو عليه ؟

   لست متتبعا إلى درجة تجعلني أكون رأيا له أهمية في هذا المجال، ولكن هناك مشكلة في هذا المثقف نفسه؛ من يكون؟ من المقصود بهذا اللفظ؟ إذا كان المقصود هو ما يحيل عليه الأصل اللغوي للكلمة، فإن من أشرنا إليهم سابقا يدخلون ضمن هذه الخانة، وعموما يمكن القول بأن هذا المثقف بهذا المعنى، كان دائما مسايرا لرغبات الشعوب وآمالها وطموحاتها، بل ومعبرا عنها، وكان الحديث يكثر في السابق عن المثقف الملتزم، والمثقف العضوي، وغيرها، والشاعر والأديب يدخلان في هذا الإطار، وكذلك العالم أو المشتغل في المجالات العلمية الأخرى، والأمثلة كثيرة. وهناك أيضا في الجهة المقابلة أو المضادة، مثقفون مأجورون أو ترتبط مصالحهم بالأنظمة القائمة، أو تدفع لهم هذه الأنظمة بطريقة أو أخرى مقابل تلميع صورتها، والأمر ليس جديدا، بل كان دائما موجودا عبر التاريخ، والأمثلة أيضا كثيرة، لا بالنسبة للأسماء أي الأفراد، ولا بالنسبة للدول.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك